مصرف لبنان يلاحق أمواله في “صناديق الاستثمار”.. هل تأخر البحث عنها؟

مصرف لبنان

يوماً بعد آخر، تتكشف ممارسات من الماضي أفضت إلى الانهيارين النقدي والمالي في لبنان. فضياع الأموال لم يقتصر على الدعم وتثبيت سعر الصرف والهندسات المالية التي قام بها مصرف لبنان مع المصارف التجارية، إنما تعدّاه إلى تمويل رؤوس أموال شركات وأنشطة استثمارية بمئات ملايين الدولارات، عبر المصارف التجارية نفسها. وقد أظهرت المراجعة التي أجراها مصرف لبنان حديثاً وجود أوجه قصور جدية في كيفية متابعة عدد كبير من هذه الاستثمارات وإدارتها والإشراف عليها، فضلاً عن مخاوف تتعلق بالمحافظة على قيمة بعض الأموال التي موّل بها مصرف لبنان هذه الاستثمارات، وبمدى الوفاء بالالتزامات المترتبة تجاهه.

في 22 آب 2013، أصدر مصرف لبنان تعميماً مثيراً للجدل حمل الرقم 331. أتاح بموجبه للمصارف تسهيلات مالية مدعومة من مصرف لبنان للاستثمار في الشركات الناشئة، وحاضنات ومسرّعات الأعمال، وشركات رأس المال الاستثماري.

مشاكل التعميم

المشكلة في هذا التعميم، الهادف في الأصل إلى تطوير بيئة الأعمال وتحفيز الاقتصاد وخلق فرص العمل، لم تقتصر على الجدل المتعلق بمدى توافقه مع المبادئ التي تحكم عمل مصرف لبنان بموجب قانون النقد والتسليف، بل امتدت إلى جدوى هذه الاستثمارات. والأهم قدرة مصرف لبنان في نهاية المطاف على استرداد الأموال والحقوق المترتبة له. فضلاً عن وجهة توظيف جزء من هذه الأموال، ولا سيما الاستثمارات التي تمت عبر هياكل وصناديق ذات نشاط خارج لبنان.

مبادرة المركزي لم تكن عملاً مجانياً، بل صُممت كآلية لتحقيق عوائد لمصرف لبنان والمصارف. مصرف لبنان يموّل المصارف من دون فوائد بما يصل إلى 75% من استثماراتها المؤهلة في الشركات الناشئة أو الصناديق أو حاضنات ومسرّعات الأعمال، فيما كانت المصارف تستفيد من عائد توظيف هذه الأموال في سندات الخزينة. وفي المقابل، كان مصرف لبنان يحصل على 50% من الأرباح الناتجة عن المشاركة في الشركات الناشئة، فيما تُضاف النسبة المتبقية إلى رأسمال المصارف لإعادة استثمارها في شركات ناشئة جديدة.

في تقرير مفصل لفريق الأبحاث الاقتصادية في BLOMInvest تحت عنوان “تعميم مصرف لبنان رقم 331: فرصة ضائعة للشركات التكنولوجية الناشئة في لبنان”، يتبين أن الجزء الأكبر من التمويل ذهب من المصارف إلى صناديق رأس المال الاستثماري، وليس مباشرة إلى الشركات الناشئة. وبحسب بيانات التقرير حتى 30 أيلول 2023، بلغت التزامات المصارف في ثمانية صناديق رئيسية نحو 334 مليون دولار، فيما بلغ حجم الأموال التي استُثمرت فعلياً في تلك الصناديق نحو 198 مليون دولار. وتظهر البيانات تفاوتاً مهماً بين الأموال التي التزمت بها المصارف، والأموال التي طُلب منها دفعها فعلياً، وتلك التي استثمرت بالفعل.

مصرف لبنان
حجم استثمارات البنوك في شركات رأس المال الكبرى، المصدر: بلوم انفست

 

مهلة استثمارات هذه الصناديق لم تكن مفتوحة زمنياً، إذ حُدد لكل منها عمر يفترض خلاله الاستثمار في الشركات الناشئة ثم التخارج منها وبيع الحصص وتوزيع العائدات على المستثمرين. غير أن الأزمة المالية والاقتصادية التي انفجرت في لبنان عام 2019، ثم جائحة كورونا، إضافة إلى الأزمات السياسية والأمنية والحروب، جعلت عمليات التخارج أكثر صعوبة. و تمثلت إحدى أبرز المشكلات في صعوبة العثور على مستثمرين أجانب مستعدين لشراء حصص الشركات التي تديرها هذه الصناديق بالدولار الطازج، فضلاً عن احتمال اضطرار الصناديق إلى البيع بقيم مخفّضة، بما يترتب عليه من خسائر.

مصرف لبنان
الفترة المحددة للتخارج من الاستثمارات

مع تعذر تنفيذ بعض عمليات التخارج ضمن المهل الأصلية، مُدّد عمر عدد من الصناديق. فصندوق Impact مثلا الذي كان يفترض أن ينتهي في 2021 مُدّد حتى 24 تشرين الأول 2024، فيما مُدّد عمر LEAP، الذي كان يفترض أن ينتهي في 2021، حتى 26 أيار 2024، بينما بقيت صناديق أخرى قائمة حتى 2026 و2027. كما يشير التقرير إلى عدم وجود معايير موحدة تنظم عمليات التخارج لجميع الصناديق.

ماذا يعني تأخر التخارج من الاستثمارات؟

مما يعني أن دورة الأموال لم تكن قد اكتملت بالضرورة عند انتهاء المهل الأصلية. فالأموال انتقلت من مصرف لبنان إلى المصارف، ومن المصارف إلى الصناديق، ومن الصناديق إلى شركات ناشئة واستثمارات مختلفة، فيما كان يفترض في المرحلة اللاحقة بيع هذه الاستثمارات وإعادة العائدات إلى المستثمرين وتسوية الالتزامات وفق العقود والأنظمة التي تحكم كل صندوق. وبالتالي، فإن السؤال لم يعد فقط عن الأموال التي استُثمرت، بل عن أين أصبحت هذه الاستثمارات اليوم، وما قيمتها، وما الذي تم التخارج منه فعلياً، وما الذي عاد من عائداتها إلى الجهات صاحبة الحق فيها.

قضية “سيدر ماندي”

في الآونة الأخيرة، برز تطوران لافتان متصلان بهذا الملف: الأول يتعلق بتحرك مصرف لبنان تنظيمياً، والثاني بوضع أحد الصناديق المستفيدة، Cedar Mundi.

مصرف لبنان أدخل تعديلات تنظيمية لتعزيز حوكمة هذه الاستثمارات ومتابعتها. وبموجب التعديلات التي أعلنها المصرف في أيلول 2026، أُلزمت المصارف المعنية بتزويده بإفصاح شامل عن الاستثمارات التي نُفذت بواسطة هذه الأموال، بما في ذلك وضعها الراهن وقيمتها وكيفية إدارتها وحوكمتها، فضلاً عن تقديم خطط محددة زمنياً للتخارج المنظم منها وتسديد المبالغ المستحقة لمصرف لبنان بالدولار الأميركي، وفق المواد الناظمة لهذا التسديد في العقود الموقعة مع المصارف.

والأهم أن التعديلات وضعت قيوداً على أي عملية بيع أو تنازل أو تحويل أو إعادة هيكلة أو ترتيب أي حق أو عبء على الأصول الممولة بصورة مباشرة أو غير مباشرة من مصرف لبنان، إذا كان من شأنها التأثير في قيمة الاستثمار أو ملكيته أو إمكانية استرداده أو سلامته، ما لم يتم التقيد بالمتطلبات القانونية والحصول على الموافقات اللازمة.

تشديد مصرف لبنان أتى عقب إبطال محكمة في لندن عملية نقل محفظة استثمارات صندوق رأس المال الاستثماري اللبناني “سيدار موندي” (Cedar Mundi) -بأكملها تقريباً- إلى كيانات مرتبطة بمجموعة “البحر” الكويتية، معتبرةً أن العملية تمت دون تفويض وبسعر يقل كثيراً عن القيمة الحقيقية للأصول.

وكانتCedar Mundi  قد تأسست في لبنان عام 2015 في سياق مبادرة مرتبطة بالتعميم 331، وجمعت مساهمات من عدد من المصارف والمؤسسات المالية اللبنانية. ويظهر الجدول السابق أن 11 مصرفاً كانت تملك، مجتمعة، 76.4% من رأسمال الصندوق، مقابل 23.6% لشركة MABIL المرتبطة بمجموعة البحر الكويتية.

لا تكمن أهمية قضية Cedar Mundi في تفاصيل نزاعها الخاص فحسب، بل في أنها تكشف، من خلال حكم قضائي أجنبي، تعقيدات قد تنشأ عندما تتداخل أموال مصرفية مدعومة من مصرف لبنان مع صناديق استثمارية وشركات ومديرين ومساهمين وهياكل ملكية متعددة. كما أن الحكم نفسه يصف الأموال التي جاءت من مصرف لبنان عبر المصارف المشاركة بأنها، من المنظور اللبناني، كانت تُعتبر “أموالاً عامة”.

السؤال اليوم، إذا كان حكم محكمة خارجية قد كشف ملابسات تتعلق بنقل معظم أصول أحد الصناديق المستفيدة من هذه الآلية، فماذا عن الصناديق الأخرى؟ وهل جرى، في كل حالة، التخارج من الاستثمارات وفق الأصول؟ وما هي القيمة الحالية للأصول التي لا تزال قائمة؟ وكم من الأموال عاد فعلياً إلى المصارف؟ وكم منها أصبح مستحقاً لمصرف لبنان ولم يُسدّد بعد؟ف

أهمية هذه الأسئلة تكمن في أن استعادة هذه الأصول، أو تحقيق قيمتها العادلة عند التخارج منها، من شأنه أن يتيح في نهاية المطاف للمصارف اللبنانية، ولمصرف لبنان تبعاً للعقود والآليات الناظمة، استرداد أموال وحقوق هو بأمسّ الحاجة إليها في ظل الأزمة المالية التي تعصف بميزانيته وبالقطاع المصرفي ككل.