ما كان يخشاه اللبنانيون عند بدء حرب إيران، وما رافقها من ارتفاعات في أسعار النفط، تحقق أخيراً. صفيحة البنزين تجاوزت 30 دولارا للمرة الأولى في تاريخها. ليس هذا فحسب، بل إن “حبل” السعر التاريخي، “مرخياً على جرّار” توترات المضائق في الإقليم واستهدافات الناقلات النفطية وخطوط العبور البديلة. ومن غير المستبعد تجاوز هذا الرقم للتحليق قرب 50 دولارا إذا ما استمرت أسعار الخام بالارتفاع.
مستشار موزعي المحروقات في لبنان فادي أبو شقرا نقل خبر ارتفاع أسعار المحروقات، آسفاً للمستوى الذي وصلت إليه. فسعر صفيحة البنزين 98 أوكتان بلغ 30.5 دولار، فيما وصل سعر الـ95 أوكتان الأكثر استهلاكاً في المحطات إلى 30.3 دولارا للصفيحة. أما المفاجأة فكانت بارتفاع أسعار المازوت 102 ألف ليرة، ليصل سعر الصفيحة إلى 29.5 دولارا.
التداعيات الاقتصادية
إذا كان يمكن للمواطنين “استعمال شي تاني” للتنقل مع غلاء البنزين، على حد تعبير أحد وزراء الطاقة السابقين، فإن المستوى الذي وصل إليه سعر المازوت ينذر بأزمة حقيقية. خلافاً للدول المنتجة التي تعتمد على المازوت بشكل جزئي للنقل وتشغيل بعض المحطات، فإن لبنان يستخدم المازوت لتأمين الكهرباء من المولدات الكبيرة لإنارة المنازل وتشغيل المعامل والمرافق الصحية والخدماتية. ولهذا يصل الاستهلاك اليومي من هذه المادة إلى 10 ملايين لتر، تعادل 500 ألف صفيحة.
من البديهي أن الارتفاعات بأسعار المازوت ستؤدي إلى أمر من اثنين، إما رفع الأسعار وعدم التقيد بالتسعيرة التي تحددها الدولة بالنسبة لاشتراكات المولدات ورغيف الخبز والتغطية الاستشفائية وتعرفة النقل، وإما التوقف عن تأمين الخدمة وقطع الرغيف وتوقف المستشفيات عن استقبال المرضى على نفقة الضمان أو وزارة الصحة، ما لم يتم رفع التعرفات بما يتناسب مع التطورات.
لا تبريرًا ولا تحفيزاً
ليس في الأمر تبريراً لرفع الأسعار، ولا تحفيزاً على قطع الخدمات، إنما موقف مستشفٍّ مما صدر من بيانات في الآونة الأخيرة.
اتحاد نقابات الأفران والمخابز دعا وزارة الاقتصاد والتجارة، في بيان، إلى اجتماع فوري للجنة المشتركة، لإعادة احتساب كلفة إنتاج ربطة الخبز وتحديد حقوق الأفران وفروقات الكلفة، وفق المنصة المتفق عليها وبناءً على الأسعار الفعلية لعناصر الإنتاج”.

نقيب المستشفيات الخاصة الدكتور بيار يارد سبق وأعلن، عبر حديث صحفي، أن المستشفيات قد تضطر إلى تسكير أقسام وصرف موظفين لكي تستطيع الاستمرار. فالأعباء على المستشفيات، برأي يارد، تزداد مع الوقت ولم يعد بمقدورها تحملها في ظل تدني تسعيرة الجهات الضامنة الرسمية. وبحسب يارد، فإن التسعيرة الموضوعة من قبل وزارة الصحة والضمان وغيرهما من الجهات الضامنة الرسمية لا تعطي أكثر من 40% من الكلفة الحقيقية للاستشفاء. والمشكلة لا تقف عند تدني التسعيرة، إنما بتأخر تسديد المستحقات لأشهر طويلة، تجاوزت مثلاً لغاية اليوم الثمانية أشهر. وعليه تفقد المستحقات جدواها نتيجة التضخم وارتفاع الأسعار، واضطرار المستشفيات إلى شراء الأدوية والمستلزمات الطبية والأجهزة والمحروقات بأسعار قد تكون مضاعفة، ما يوقعها بخسائر كبيرة.

أصحاب المولدات الخاصة الذين يوزعون الاشتراكات على المنازل لا يتقيدون بتعرفة وزارة الطاقة الرسمية، والتي تتراوح بين 53 و55 سنتاً للكيلوواط ساعة. وعلى الرغم من مصادرة وزارة الاقتصاد والتجارة 56 مولداً من كبار المخالفين لصالح السلطات المحلية، بمؤازرة جهاز أمن الدولة وتسطير عشرات المحاضر، فإن التفلت ما زال سيد الموقف. والطريف أن السلطات المحلية التي تسلّم لها المولدات لا تلتزم في الكثير من البلدات بالتسعيرة الرسمية، وهي تعتمد على إصدار فاتورة واحدة رسمية بالسعر الذي تحدده وزارة الطاقة، والثانية تبرع بقيمة 50 سنتاً لكل كيلوواط ساعة لتعويض الفرق ولكي يصل السعر المباع إلى نحو دولار. ومع إحجام المواطنين عن التسديد، تعمل إلى إطفاء المولدات أو التقنين وتزويد المنازل لبضع ساعات من التغذية يومياً لحفظ ماء الوجه.
كلفة النقل
على صعيد النقل، ولمن لا يملك “شي تاني” لإيصاله للعمل، تضاعفت كلفة الباصات الخاصة، وأصبحت مثلاً من الشوف إلى بيروت 400 ألف ليرة، فيما يطالب سائق السرفيس الركاب بـ350 ألف ليرة. وعليه، فإن الموظف الذي يأتي من الأطراف إلى بيروت يتكلف يومياً مليوناً و400 ألف ليرة، تفوق بدلات النقل التي تدفعها الدولة والمؤسسات بثلاثة أضعاف، فيما يتكلف القاطن في بيروت ضعف بدل النقل ويدفع للذهاب والإياب من عمله 800 ألف ليرة.

لجنة المؤشر والزيادات المأمولة
لجنة المؤشر التي اجتمعت مطلع هذا الشهر لبحث الزيادات على الأجور ما زالت في حالة تدارس للموضوع. وتميّز الهيئات الاقتصادية، أحد الأعمدة الثلاثة للجنة إلى جانب ممثلي العمال والدولة، بين الأجور وبدل النقل. وهي، إن كانت تصر على عدم إمكانية رفع الأجور قبل انتهاء الحرب وتحقيق الأمن والأمان وعودة النشاط الاقتصادي إلى طبيعته في مختلف المناطق، وتحقيق النمو، تبدو أكثر انفتاحاً على زيادة بدل النقل من خلال اعتماد سلم متحرك يزداد مع ازدياد الأسعار عالمياً وينخفض بانخفاضها.

إلا أن حتى هذا الموضوع يتطلب توفر عامل أساسي، هو “تخفيض الضرائب على صفيحة البنزين”، بحسب عضو لجنة المؤشر ونائب رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة في بيروت وجبل لبنان د. نبيل فهد. فـ”من غير الممكن مطالبة القطاع الخاص المنهك بالأكلاف الإنتاجية المرتفعة، وتضخم أكلاف الشحن وتعطل سلاسل التوريد وضعف الطلبات الداخلية والخارجية، بإعطاء زيادات، وثلث سعر صفيحة البنزين عبارة عن رسوم وضرائب”. وعلى الدولة، إن كانت جادة في زيادة بدلات النقل، أن تراعي من وجهة نظر فهد ظروف المؤسسات الخاصة التي تعمل في اللحم الحي. أي مطالبة عكس ذلك تنافي أبسط قواعد المنطق إذا أرادت الدولة مساعدة المؤسسات والمواطنين. وإن كانت بعض المؤسسات قادرة على تحمل الزيادات، فإن بعضها الآخر عاجز عن ذلك، وستؤدي ارتفاع الأكلاف عليها إلى إقفالها. يضاف إلى ذلك، فإن “زيادة الرواتب والأجور وبدلات النقل في ظل الانكماش الاقتصادي ستؤدي إلى التضخم”، من وجهة نظر فهد، ما يعني المزيد من التآكل بالقدرة الشرائية للمستهلكين حتى من بعد زيادة الأجور.
الاقتصاد اللبناني واقع في خيارين أحلاهما مر، إما عدم زيادة الأجور، وبالتالي إضعاف قدرة المستهلكين على الاستهلاك الذي يحرك الدورة الاقتصادية محلياً، وإما زيادتها والتسبب بالتضخم وتآكل القدرة الشرائية، فيما الحل الثالث المتمثل بالإصلاحات الجذرية في القطاع العام، والعودة لتحقيق النمو الاقتصادي وجذب الاستثمارات لتعزيز فرص القطاع الخاص، فما زال مغيباً عن الساحة.
