“نيو إيرادات” لتمويل الإنفاق: ترضي صندوق النقد وتعيد الودائع.. كيف؟

صندوق النقد

تتجدد الاجتماعات بين لبنان وممثلي صندوق النقد الدولي في زيارته التفقدية، وتبقى النتيجة واحدة: لا اتفاق قبل ردم الفجوة المالية. القوانين المالية التي أُقرت، وأهمها السرية المصرفية وهيكلة المصارف، لا تعدو كونها مقبلات على طاولة الاتفاق. أمّا الآليات التنفيذية، من موازنة متوازنة وإطار مالي متوسط الأجل واستقرار نقدي وإصلاحات ضريبية، فهي، على أهميتها، تبقى مجرد وسيلة لا ترقى للغاية المنشودة.

إلى حين خروج قانون “الانتظام المالي واسترداد الودائع“، المعروف بـ”الفجوة”، من متاهة السياسة، بحلول منتصف العام 2027 على أقل تقدير، بحسب توقعات حاكم المركزي، فإن التشديد سيكون على ضمان استمرارية الأهداف التنفيذية. ولهذا رأينا أن هدف الزيارة لا ينحصر بالمباحثات حول قانون الفجوة، الذي أُشبع درساً وتمحيصاً، إنما تعداه إلى ثلاثة مواضيع رئيسية، هي:

  • الإطار المالي متوسط الأجل (MTFF)، وضمان إعداد موازنة تعكس إصلاحات ضريبية حقيقية وضبطاً للإيرادات والإنفاق بعيداً عن العجز المقنّع.
  • إصلاح قطاع الكهرباء وتنفيذ الإصلاحات الهيكلية في مؤسسة كهرباء لبنان التي نص عليها القانون 462.
  • استدامة الدين العام ووضع آليات للتمويل، خصوصاً أن تعليق مهل التقادم المتعلقة باليوروبوندز بقي منها أقل من سنتين. وقبل التاسع من آذار 2028، سيكون لبنان أمام حل من اثنين: إما هيكلة الديون، وإما التعرض لدعاوى قضائية في نيويورك من قبل حملة السندات لتحصيل أصل المبلغ والفوائد، وهي دعاوى لن تكون في مصلحته.

العلاقة مع “الفجوة”

هذه العناوين، وإن كانت لا تتصل بقانون الفجوة مباشرة بالنسبة إلى العيان، فهي تقع في صلبه بالنسبة إلى المسؤولين عن رسم السياسات الاقتصادية والمالية. فالتشدد في الإنفاق ووضع إطار مالي صارم على المدى المتوسط ليس عبثياً. “أي إنفاق إضافي غير ممول قد يعني مزيداً من الضغط على السيولة، ومزيداً من الضغط على العملات الأجنبية، ومزيداً من الضغط على الاستقرار النقدي، وعلى الظروف المعيشية، وعلى قدرة المواطنين على الوصول إلى ودائعهم، وعلى مسار معالجة أزمة القطاع المصرفي”، قال رئيس مجلس الوزراء نواف سلام في كلمته أمام النواب في جلسة مساءلة الحكومة، مضيفاً أن الانضباط المالي اليوم ليس خياراً، بل هو شرط للاستقرار.

الدولة ستتحمل، بشكل أو بآخر، كلفة إعادة الودائع. وسواء كانت هذه الكلفة 3 مليارات دولار، مساهمة في رسملة المركزي كما أُدرج في العديد من المقترحات، أم 25 ملياراً كما يطالب الأخير بدل الديون والدعم، فهي لن تستطيع تأمينها ما لم تضبط إنفاقها.

أهمية الاستقرار

خلال الأعوام الماضية، وتحديداً منذ 2023، منعت المالية، بالتنسيق مع مصرف لبنان، الاختلالات في سعر الصرف عبر آلية محكمة. هذه الآلية، التي قامت على ضخ الليرات بكميات مدروسة عبر جهة متخصصة، وجمع الدولارات من أي إيرادات للدولة، لم تؤدِّ إلى وقف تدهور سعر الصرف والحد من التضخم فحسب، إنما أيضاً إلى رفع احتياطي الخزينة في مصرف لبنان إلى 10.2 مليار دولار بحلول أيلول. وإذا ما أضيف هذا المبلغ إلى احتياطي العملات الأجنبية في مصرف لبنان، المقدر بنحو 11.62 مليار دولار، فيمثلان خميرة مقبولة للتعويض على المودعين، وبالتالي تسهيل التوصل إلى اتفاق حول الفجوة المالية.

جابر يؤكد التزام الإصلاحات

ما قاله سلام أعاد وزير المالية ياسين جابر التأكيد عليه في المؤتمر الصحافي عقب لقائه بعثة صندوق النقد. “فرغم الظروف الصعبة، تمكن لبنان خلال الأشهر الستة الماضية من الحفاظ على الاستقرار المالي والاستقرار النقدي”، قال جابر، مؤكداً أن الليرة “ما هزّت”، وأن الرواتب تُدفع في وقتها، فيما تستمر الخدمات العامة وتتسدد كلفتها في مواعيدها، مع الاهتمام أيضاً بملف النازحين. ويضيف جابر أن “الحكومة تمكنت من المحافظة على إدارة جيدة للسيولة، مما أمّن الاستقرار”، واعداً بالمتابعة في هذا المسار.

إصلاح الكهرباء

إضافة إلى الاستقرار النقدي وتكوين احتياطيات من العملات الأجنبية، فإن الأمل بالخروج من دوامة الانهيار يبقى ضعيفاً ما لم يتم إصلاح قطاع الكهرباء. فهذا القطاع، الذي كلف لبنان لغاية الآن أكثر من 40 مليار دولار، نحو ملياري دولار منها خلال السنوات الأخيرة ديوناً للعراق، يستنزف الموارد ويضاعف الضغط على ميزانية الأسر والمؤسسات، ويجعل قدرتها على الاستهلاك والإنفاق محدودة، ما يضعف، في المقابل، القدرة على تحصيل الضرائب.

وعليه، يشدد صندوق النقد على تطبيق القانون 462 وإطلاق عمل الهيئة الناظمة، من خلال فكفكة المؤسسة وفتح القطاع على المنافسة وتشجيع الاستثمارات الخاصة في المجال، لتأمين خدمة متقدمة بكلفة أقل.

هيكلة الدوين

وبالمثل، فإن إعادة هيكلة الديون الخارجية، التي تفوق 45 مليار دولار، لا تقل أهمية عن الديون للمودعين، لا بل قد يكون أمرها أشد خطراً، خصوصاً أنها محمولة من قبل صناديق عالمية لديها قدرات مالية كبيرة، من الممكن أن تضع يدها على الأصول وتؤخر التعافي ما لم يتم التوصل إلى تسوية قريبة لهذه السندات.

إذاً، الخطة المالية متوسطة الأجل والكهرباء والديون هي آليات للوصول إلى الغاية النهائية: إقرار قانون الفجوة، وذلك بعد التوصل إلى حل عقدها الثلاثة الكبيرة، المتمثلة بكيفية توزيع الخسائر بين الأطراف المعنية، وحوكمة المصارف، وتقييم الأصول وخصم الشوائب.