يشهد لبنان اليوم واحدة من أصعب المراحل الاقتصادية والمعيشية في تاريخه الحديث. تفوق هذه المرحلة في قسوتها ما مرّ به البلد بعد الحرب الأهلية، وما رافق انفجار الأزمة الاقتصادية عام 2019 من أحداث، ومنها جائحة كورونا. يعود ذلك إلى سببين أساسيين: كانت الأسعار مقبولة نسبياً في تلك الفترات، ولا سيما الأسعار المقوَّمة بالدولار، وكانت أوضاع الدول المجاورة أفضل، فارتفعت تحويلات المغتربين واتسعت قدرة اللبنانيين على العمل في الخارج. أما في عام 2026، فيواجه البلد تضخماً في الأسعار بالدولار محلياً وعالمياً هو من الأعلى الذي عرفه لبنان، وتحدّ ظروف الحرب في المنطقة من حجم التحويلات ومن قدرة اللبنانيين على السفر والعمل.
تكشف الأرقام حجم الأزمة. ارتفعت الأسعار بالدولار منذ عام 2023 بنحو 77%، فأصبح شراء ما كانت قيمته مئة دولار آنذاك يتطلب 177 دولاراً. خسرت المداخيل نتيجة ذلك ما بين 46% و50% من قدرتها الشرائية، ولم تترافق هذه الخسارة مع تصحيح جدي للأجور في القطاعين العام والخاص. أما بالليرة اللبنانية، فبلغت الارتفاعات نحو 250% خلال سنوات الأزمة التي سبقت عام 2023.
يفرض التضخم العالمي أثره على لبنان، ولا قدرة للدولة على التأثير فيه. تبقى الرسوم والضرائب غير المباشرة، كضرائب الاستهلاك والرسوم الجمركية، ميداناً يمكن التدخل فيه لتخفيف العبء عن المواطنين. أضيفت في شباط 2026 زيادة على سعر صفيحة البنزين لتمويل ستة رواتب إضافية لموظفي القطاع العام، فارتفعت أسعار المواد الغذائية في لبنان بنسبة 6.2% مقابل 2.6% عالمياً، أي بأكثر من الضعف.
يتساءل المواطنون عن سبب عدم تراجع أسعار المحروقات محلياً مع انخفاض سعر برميل النفط عالمياً. يكمن الجواب في أن الأسعار المعلنة على الشاشات تعود إلى العقود الآجلة، بينما تُشترى الشحنات الفورية بأسعار أعلى، إذ يصل سعر البرميل فيها إلى ما بين 130 و140 دولاراً. ترتفع كلفة النقل والتأمين ارتفاعاً كبيراً، فتصل كلفة نقل البرميل إلى نحو عشرين دولاراً حين يبلغ سعره نحو تسعين دولاراً. يفاقم الأمر أن لبنان يستهلك ما يقارب خمسة مليارات دولار من البنزين والمازوت سنوياً، ولا يملك بدائل تخفف عنه هذا الحمل.
ينعكس ارتفاع المحروقات على سلسلة الأسعار كلها، من النقل والتوصيل إلى البيع بالتجزئة والخدمات. يكفي مثال بسيط على ذلك: كان فنجان القهوة وقنينة الماء يكلفان معاً ألف ليرة قبل عام 2019، أي ما يعادل 1800 ليرة بأسعار ذلك الوقت، وأصبحا اليوم يكلفان مئة ألف ليرة، أي بزيادة تقارب 80%. تتضاعف الزيادات في أحيان كثيرة من دون ضوابط أو رقابة فعلية تبيّن أسبابها ومبرراتها. لا يبرر ارتفاع سعر النفط بنسبة 20% رفع أسعار الخبز والخدمات بالنسبة نفسها، لأن المحروقات لا تشكل إلا جزءاً من الكلفة. تبقى الأسعار مرتفعة حين تعود الظروف إلى طبيعتها، وتنخفض قليلاً فقط، فيتآكل ما تبقى من قدرة المداخيل الشرائية.
لا يلوح في الأفق أي توجه جدي لزيادة الأجور أو بدلات النقل، وذلك لسببين. ترفض الهيئات الاقتصادية وأرباب العمل تحمل أعباء إضافية ما دامت الدولة تحصّل نحو ثلث سعر صفيحة البنزين ضرائبَ ورسوماً، وتطالب بتعليق جزء منها إلى نهاية العام. ويعاني الاقتصاد اللبناني انكماشاً بنحو 8%، وهو ما يجعل أي زيادة في الأجور في ظل هذا الواقع مغامرة، لأن ما يُعطى للموظف بيد تستعيده الأسعار والتضخم باليد الأخرى.
يعبّر تذمر الناس عن وجع حقيقي، غير أنه لا يقابله أي مسعى جدي لتغيير الواقع. يبقى تحميل الدولة وأرباب العمل فوق طاقتهم غير منطقي أيضاً، إذ لا يمكن استخراج المزيد ممن لا يملكه. يقتضي الحل تحسين واقع الخدمات، ولا سيما الكهرباء والمياه والنقل والاتصالات، فهي تستهلك ما بين 50% و60% من الرواتب. يمكن فتح قطاع الكهرباء أمام المنافسة وتحفيز القطاع الخاص على الإنتاج والتوزيع بأسعار منخفضة، فيتراجع ما يدفعه المواطن، وهو نحو ثلث دخله حالياً، إلى نسبة ضئيلة. يشبه ذلك في أثره زيادة فعلية في الدخل، من دون أي مخاطر على التضخم.
يعزز تراجع الأسعار العالمية وهدوء الأوضاع في المنطقة الوضع اللبناني إيجاباً، ولكن بنسبة أقل من نسبة الانخفاض العالمي. يبقى التضخم في لبنان مرتفعاً لأنه بنيوي وليس ظرفياً، ولا يعالَج إلا بإصلاحات بنيوية، في مقدمتها إصلاح القطاع العام. زادت نفقات الموازنة الجديدة نحو 900 مليون دولار، ويجري تأمينها من الضرائب غير المباشرة على الاستهلاك التي يتحملها المواطن العادي. لا تنعكس هذه الزيادات مزيداً من الخدمات، بل تذهب إلى رواتب الموظفين الذين يواصلون الإضراب، وقد أضربوا ثلاثة أيام هذا الأسبوع.
يستدعي الخروج من هذا المسار تخفيف حجم القطاع العام ووقف استنزاف الموارد، ومكافحة الاقتصاد غير الشرعي، وجباية الضرائب ممن يجب أن تُجبى منهم فعلاً بدل تحميلها للمواطنين عشوائياً. يؤدي الاستمرار في السياسات الحالية إلى عجز الدولة عن تأمين مواردها، فتتفاقم المشكلة. ينتظر المواطنون حلولاً ولو صغيرة تيسّر حياتهم، غير أن الغلاء جاء أزمة جديدة تُضاف إلى الأزمات التي يعيشونها.