كما كل خريف، تعود مشاكل المزارعين إلى الواجهة مع نهاية أيلول من جديد. في هذا الفصل، تبدأ مواسم لطالما اعتُبرت استراتيجية للقطاع الزراعي، إذ لا تقتصر أهميتها على وفرة الإنتاج وكِبَر الكميات فحسب، إنما تكمن أيضاً في كون جزء كبير منها مخصصاً للتصدير.
بين التفاح والزيتون والحمضيات والقمح والبطاطا، تختلف مواعيد القطاف أياماً قليلة بحسب الارتفاع والمنطقة، لكن القاسم المشترك يبقى واحدًا: صعوبات يواجهها المزارعون في تصريف إنتاجهم، داخلياً وخارجياً.
الزيت المهرب يغزو السوق
فيما خصّ الزيتون وزيت الزيتون، يعجز السوق الداخلية عن استهلاك الكميات المنتجة، في وقت يبقى باب التهريب مشرّعاً على مصراعيه، ما يؤدي إلى إغراق السوق بالمنتجات المهربة. فبالتزامن مع بدء موسم القطاف، الذي ينطلق مع نهاية تشرين الأول من كل عام، يغزو الزيتون المهرب والزيت المغشوش الأسواق اللبنانية. وهذه الحالة، التي تتكرر سنوياً، تقف وراءها مافيا لا يزيد عدد أفرادها على أصابع اليدين، فيما يتضرر منها عشرات آلاف المزارعين ومالكي الأراضي، بحسب مصادر المزارعين.
خلافاً للعديد من الإحصاءات، تقدّر لجنة الزيتون في “اللقاء الوطني للهيئات الزراعية” وجود أكثر من 20 مليون شجرة زيتون في لبنان، تنتج ما بين 400 و450 ألف طن من حب الزيتون في سنوات الحمل الوفير. ويُستخدم ما بين 75 و100 ألف طن من هذه الكمية كزيتون مائدة، فيما يُعصر الباقي، وينتج عنه ما لا يقل عن 3 ملايين صفيحة من زيت الزيتون. وهذه الكمية تكفي حاجة لبنان حتى في سنوات الإنتاج القليل، إلا أن إدخال الزيت المهرب والمغشوش، الذي يُباع بأسعار أقل بكثير، يحدّ من قدرة المزارعين على تصريف إنتاجهم.
تصدير التفاح
في المقابل، تؤدي الإجراءات التي يُراد بها خيراً، كمنع استيراد التفاح من الخارج شرعياً، بهدف تشجيع استهلاك الإنتاج المحلي، إلى نتائج عكسية. إذ يؤدي تراجع العرض إلى ارتفاع الأسعار، ويعطي التجار هامشاً أكبر بما لا يقاس للتسعير على هواهم. فعلى الرغم من وفرة الإنتاج هذا العام، والمتوقع أن يصل إلى 190 ألف طن، بحسب المدير العام لوزارة الزراعة لويس لحود، فإن سعر كيلو التفاح وصل في العديد من المتاجر إلى أكثر من 350 ألف ليرة، ما يحدّ من قدرة المستهلكين اللبنانيين على شرائه.
وكانت وزارة الزراعة قد أعدّت خارطة طريق لتصدير الموسم، وقامت بجولات على وزراء الزراعة في دول مختلفة، كما على المستوردين، لتشجيعهم على زيادة استيرادهم للتفاح من لبنان. وعلى الرغم من أهمية التصدير بالنسبة إلى المزارعين، فإن انعكاسه على الأسعار داخلياً قد تكون عكسية، نظراً إلى كونه يحدّ من المعروض في السوق، في ظل وقف الاستيراد.
القمح والتصدير
وعلى جانبٍ مشترك، يُصنَّف القمح منتجاً استراتيجياً لا يمكن تصديره إلا بموجب رخصة من وزارة الاقتصاد. وعندما يحصل المصدرون على أذونات التصدير، تتعطّل العمليات لأسباب يجهلونها. فمنذ أيام، تتوقف أكثر من 40 شاحنة، تحمل نحو 1200 طن من القمح، داخل الساحة الجمركية في المصنع، رغم حصولها على رخص للتصدير إلى الأردن من وزارة الاقتصاد.
وتكمن المشكلة في أن وزارة الاقتصاد لا تزال تؤجل وتؤخر إنجاز المعاملات وإعطاء الإذن النهائي للشاحنات، من دون معرفة الأسباب، بحسب رئيس تجمع الفلاحين في لبنان إبراهيم الترشيشي.
في المقابل، لا تشتري الدولة والمطاحن القمح، ويُمنع المزارع اللبناني من تصدير محصوله، ما يفاقم المشاكل التي يواجهها المزارعون، خصوصاً أن كميات من القمح لا تزال مكدّسة منذ السنة الماضية، فيما أصبح محصول السنة الحالية متوفراً، والمزارعون على أبواب موسم زراعة جديد. وبحسب الترشيشي، فإن “المطاحن إما تشتري القمح بالأسعار التي ترغب بها، أي ما يقل 20 في المئة عن السعر العالمي، بما يعادل 40 دولاراً، أو تمتنع عن شرائه”، فيما يجد المزارع نفسه أمام مشكلة في تصريف محصوله.
البطاطا لا تصدّر
البطاطا بدورها لا تُصدَّر، لأن سعرها في لبنان أعلى من كل دول العالم، ويبلغ سعر الطن هذا العام 650 دولاراً، أي ما يعادل 58 ألف ليرة للكيلوغرام في أرضه. فما يُصدَّر هو الفائض عن السوق المحلي، يقول رئيس اللجنة الاقتصادية في غرفة التجارة والصناعة والزراعة في زحلة والبقاع، طوني طعمة. فالانتاج هذا العام قليل، نظراً إلى تراجع المساحات المزروعة بعد عامين من الخسائر التي تكبّدها المزارعون في القطاع، وما يُزرع بمعظمه مخصّص للتصنيع وليس للمائدة، حيث تستهلك معامل رقائق البطاطا كميات كبيرة من الإنتاج. وعليه، فإن موسم البطاطا لا يُصدَّر، لكنه يواجه محلياً ارتفاعاً في الأسعار.
تحديان يواجهان الحمضيات
أما فيما خصّ الحمضيات، التي يبدأ إنتاجها في النصف الثاني من العام، فمن المتوقّع أن تواجه تحديين: الأول أمني، حيث تنتشر زراعتها بشكل أساسي في المناطق الجنوبية، والثاني المنافسة في الأسواق الخارجية، ولاسيما من جانب مصر.
الحكاية نفسها تتكرر سنويا، إنتاجٌ يواجه صعوبة في التصريف، وأسواقٌ يطغى عليها التهريب والمنافسة والتعقيدات، ومواطن يدفع الثمن مضاعفاً.
