إقرار قانون ” الفجوة المالية “: نحو مسار إصلاحي حقيقي أم استجابة لضغوطات دولية؟

إقرار قانون ” الفجوة المالية “: نحو مسار إصلاحي حقيقي أم استجابة لضغوطات دولية؟

بين نظام مأزوم يرزح تحت وطأة الانهيار المالي والإقتصادي، وضغوطات داخلية وخارجية متزايدة، أقرّ مجلس الوزراء اللبناني قانون ” الفجوة المالية ” بوصفه أحد أكثر القرارات إثارة للجدل منذ اندلاع الأزمة عام 2019. فالقانون، الذي يتمّ التسويق له اليوم، على أنه مدخل لمعالجة الانهيار واستعادة التوازن المالي، لا يمكن فصله عن السياق السياسي الذي ولد فيه، ولا عن شبكة المصالح المعقّدة التي حكمت مساره، ولا عن الضغوطات المتصاعدة التي يمارسها صندوق النقد الدولي منذ سنوات لدفع لبنان إلى تنفيذ إصلاحات طال تأجيلها. وبينما يشكّل هذا القانون أحد الشروط الأساسية التي يطالب بها الصندوق لإعادة فتح باب الدعم المالي، لا يزال الانقسام الداخلي حوله يعكس عمق المأزق اللبناني، حيث تتقاطع الحسابات السياسية مع المصالح المصرفية، في مقابل دولة عاجزة عن فرض رؤية إصلاحية متكاملة. ففي الوقت الذي تسعى فيه الحكومة إلى تقديمه كخطوة ضرورية على طريق استعادة الثقة الدولية، يرى كثيرون أنه يأتي استجابة لضغوط خارجية أكثر مما هو نتاج قناعة داخلية بإصلاح جذري.
وبين سلطة تبحث عن إنجاز يُسجَّل لها في لحظة سياسية حرجة، وقوى سياسية تتفادى تحمّل كلفة الانهيار أمام الرأي العام، ومصارف تسعى إلى حماية رأسمالها، يجد اللبناني نفسه مجدداً خارج معادلة القرار، أمام قانون يفترض أن يعيد إليه جزءاً من حقوقه المهدورة، فيما يثير في الوقت نفسه أسئلة جوهرية حول العدالة وتوزيع الخسائر وجدّية الدولة في تحمّل مسؤولياتها.
وفي هذا السياق، أجرى موقع “ديمقراطيا نيوز” مقابلة مع الخبير الاقتصادي باتريك مارديني، الذي قدّم قراءة سياسية واقتصادية لمضمون القانون.

الفجوة المالية بين الضرورة والإصلاح: قراءة في مقاربة الحكومة

في خضم النقاش الدائر حول إقرار قانون الفجوة المالية، يرى الخبير الاقتصادي باتريك مارديني أن الخطوة التي أقدمت عليها الحكومة تعدّ إيجابية جداً، معتبراً أنّ لبنان دفع ثمناً باهظاً نتيجة تأخّر الحكومات المتعاقبة في إقرار هذا القانون، ما أدّى إلى شلل شبه كامل في القطاع المصرفي منذ اندلاع الأزمة الاقتصادية عام 2019. وأوضح مارديني أن القطاع المصرفي كان عملياً معطّلاً منذ ست سنوات، إذ لم يعد قادراً على منح القروض كما في السابق، ما حرم المؤسسات والشركات من التمويل اللازم للتوسّع أو حتى الاستمرار، وأدّى إلى إقفال عدد كبير منها، وارتفاع معدلات البطالة بشكل غير مسبوق. وأضاف أن الأفراد بدورهم حرموا من إمكانية الإستدانة، ما ساهم في شلل اقتصادي شامل انعكس سلباً على مختلف القطاعات.
كما وأشار إلى أن الناتج المحلي الإجمالي تراجع من نحو 54 مليار دولار سنوياً إلى ما يقارب 20 مليار دولار فقط، ما يعني أن لبنان خسر خلال ست سنوات ما يقارب 150 مليار دولار، أي ما يعادل فجوتين ماليتين كاملتين. واعتبر أن هذا الانهيار كان يمكن تفادي جزء كبير منه لو جرى إقرار قانون الفجوة المالية في وقت أبكر. ولفت مارديني بدوره إلى أن الحكومة الحالية امتلكت ” شجاعة سياسية ” في الإقدام على هذه الخطوة، واصفاً القانون بأنه من أصعب القوانين الإصلاحية التي كان لا بد من إقرارها، لأنه يحمّل جميع الأطراف مسؤولياتهم من دون استثناء. ورأى أن أهمية هذا القانون تكمن في أنه ” أحرج الجميع بالتساوي “، وهو ما يجعله، برأيه، قانوناً عادلاً في جوهره.
وفي ما يتعلق بتوزيع الخسائر، شدّد مارديني على أن القانون لا يتضمن شطباً عشوائياً للودائع، بل يميّز بين أنواعها. فالمودعون الذين استفادوا من فوائد مرتفعة ناتجة عن الهندسات المالية، أو أولئك الذين راكموا أرباحاً عبر المضاربات أو الشيكات خلال الأزمة، سيتحمّلون جزءاً من الخسائر عبر ما يشبه الـ “هيركات”. أما المودعون الطبيعيون الذين أودعوا أموالهم بشكل نظامي، من دون استفادة من الفوائد المرتفعة أو عمليات التهريب إلى الخارج، فسيستعيدون ودائعهم.
وأوضح أن الآلية المقترحة تقضي بأن يحصل 85% من المودعون على من ودائعهم نقداً خلال فترة تمتد لأربع سنوات، على أن تُستكمل المبالغ المتبقية عبر سندات يصدرها مصرف لبنان ومغطّاة بالذهب، إلى سنوات أطوال حسب حجم الوديعة. ولفت إلى أن قيمة هذه السندات تبقى مرتبطة بمدى تغطيتها الفعلية بالذهب، إذ إن كانت مغطاة فعلاً فستكون ذات قيمة حقيقية، لكن سيخسر مصرف لبنان من احتياطي الذهب. أما في حال عدم وجود هذا الغطاء فستتحول إلى اقتطاع فعلي من الودائع التي تفوق 100 ألف دولار.
وفي هذا السياق، أشار مارديني مؤكداً إلى أن توزيع الأعباء في الصيغة الحالية يُعدّ عادلاً نسبياً، طالما أنه لا يطال صغار المودعين بشكل جائر.
أما في ما يتعلق بعلاقة القانون بصندوق النقد الدولي، فأوضح أن القانون لا يتطابق بالكامل مع شروط الصندوق، وإن كان يقترب منها إلى حدّ كبير. إذ يفضّل صندوق النقد الدولي بحسب قوله شطب رأسمال المصارف وتحميلها الجزء الأكبر من الخسائر، في حين أن القانون اللبناني الحالي يحافظ على جزء من هذا الرأسمال. ورأى أن سبب التأخير الطويل في إقرار هذا القانون يعود بالدرجة الأولى إلى العامل السياسي، إذ لم ترغب أي جهة سياسية في تحمّل مسؤولية توزيع الخسائر، ما أدّى إلى سنوات من المراوحة والعجز عن اتخاذ القرار.
واعتبر مارديني أن إقرار القانون يشكّل خطوة أساسية لكسر الجمود السياسي والاقتصادي، خصوصاً في ظل وجود ضغط دولي متواصل منذ سنوات لدفع لبنان نحو الإصلاح. كذلك، أكد أن هذا القانون يعيد التوازن المالي إلى القطاع المصرفي، لكنه لا يكفي وحده لإعادة الثقة، مشدداً على ضرورة إقرار قوانين مكمّلة، وعلى رأسها قانون ” الكيرنسي بورد “، الذي من شأنه إعادة الثقة بالقطاع المصرفي وتشجيع اللبنانيين والمغتربين على إعادة أموالهم إلى المصارف، إضافة إلى جذب الاستثمارات الخارجية.
وختم بالتأكيد أن قانون الفجوة المالية، رغم كل الملاحظات عليه، يشكّل خطوة تأسيسية لا بدّ منها، وأنه سيخضع حتماً لتعديلات داخل مجلس النواب نظراً لتشابك المصالح المرتبطة به، إلا أن أهميته تكمن في أنه وضع إطاراً عاماً للحل وفتح الباب أمام مسار إصلاحي طال انتظاره.

اضغط هنا لقراءة المقال على موقع ديموقراطيا