تُشكّل التطورات الأمنية المتسارعة في المنطقة تحدياً اقتصادياً استثنائياً للبنان، الذي كان يُراهن على حياده عن الصراع الإقليمي ليستعيد مكانته في العمق العربي عبر بوابة المتوسط. غير أن انخراطه في الحرب أعاد رسم المشهد برمّته، وكشف عن هشاشة بنيوية تتشابك فيها الأزمة المالية المزمنة مع التبعات الآنية للنزاع المسلح.
الكلفة الاقتصادية المباشرة
تُقدَّر التداعيات الاقتصادية المباشرة للحرب على الاقتصاد اللبناني بأرقام مرتفعة، مستندةً إلى معطيات ميدانية بدأت تتكشّف فعلياً على أرض الواقع، وإلى قياسات مبنية على تجربة حرب الإسناد الأخيرة. يحتاج لبنان إلى ما يقارب 250 مليون دولار شهرياً لإعالة نحو مليون نازح، في حين لن تتجاوز المساعدات الدولية 20% من هذه الحاجات استناداً إلى تجربة العامين الماضيين.
تُقدَّر كلفة إعادة الإعمار بأكثر من 11 مليار دولار، وهو رقم مرشّح للارتفاع مع تجدد القصف والدمار الذي يطال الممتلكات الخاصة من سيارات ومحال تجارية ومقتنيات بما يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات. وفي السياق ذاته، ارتفعت كلفة التأمين على الشحنات الواردة إلى لبنان بواقع ألفَي دولار للحاوية ذات العشرين قدماً، وثلاثة آلاف دولار لحاوية الأربعين قدماً، فيما قفزت التكاليف التشغيلية للمصانع والمؤسسات بنسبة 7%.
الأثر على القطاعات الحيوية
يعاني قطاع المطاعم من تراجع في الطلب بلغ 70%، فيما تراوحت نسبة الإشغال الفندقي في العاصمة بين 15 و20%. وقد أوقفت المؤسسات السياحية والتجارية تحضيراتها لموسم الأعياد، بما يمتد من نهاية آذار حتى مطلع نيسان المقبل. ويكفي المخزون الفعلي من المواد الأولية المصانعَ الكبرى لنحو شهرين أو ثلاثة أشهر فحسب، وسط مخاوف متصاعدة من احتمالية حصار بحري يُعيق وصول المواد الغذائية في مواعيدها.
تُفاقم هذه التحديات ظاهرةٌ أشمل تتمثل في ترحيل إقرار التعديلات على قانون هيكلة المصارف، وتأجيل مشروع قانون الفجوة المالية، ما يعني ابتعاد الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، وتعقيداً إضافياً للأزمة الاقتصادية والمالية. ويُضاف إلى ذلك احتمال تراجع التحويلات المالية من الدول العربية جراء توقف كثير من المصالح والأعمال في الخارج.
الضغط على العملة الوطنية والاحتياطيات
يرتبط الضغط على الليرة اللبنانية ارتباطاً وثيقاً بالسياسة التي ستعتمدها الحكومة ومصرف لبنان. فإذا أحجمت الحكومة عن ترشيد نفقاتها وضبطها، واضطُرّت إلى الاستدانة من المصرف المركزي، ستنعكس هذه الخطوة ضغطاً على احتياطي العملات الأجنبية، الذي بلغ نحو 12 مليار دولار، ثم تدهوراً في سعر صرف الليرة.
تكمن المشكلة في أن انخفاض الإيرادات الضريبية الناجم عن توقف الحركة الاقتصادية سيُحدث عجزاً في الموازنة، لن يكون أمام الحكومة لتمويله سوى أحد خيارين: إما الصرف من المصرف المركزي بالدولار، فيُجهَد الاحتياطي، وإما طباعة الليرة، فيُضغط على سعر الصرف. وكان مصرف لبنان قد سعى في مرحلة سابقة إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي بخفض حجم الكتلة النقدية بالليرة من 70 تريليوناً إلى نحو 68 تريليوناً، وهو مسار يبدو عسيراً في ظل أعباء الحرب المتضاعفة.
الآثار على ودائع المودعين
تُلقي الحرب بظلالها الثقيلة على مسار استرداد الودائع. فقانون الفجوة المالية، الذي كان يهدف إلى رد ما يصل إلى مئة ألف دولار للمودعين الصغار برفع ضمان الودائع من 800 دولار إلى 100 ألف دولار، تبلغ كلفته الإجمالية نحو 20 مليار دولار، منها نحو 6 مليارات تُمثّل ما تبقّى من أموال المودعين في احتياطي مصرف لبنان، وستة مليارات أخرى هي ما راكمته الحكومة في المصرف المركزي.
أما الشريحة التي تتجاوز المئة ألف دولار، فكان مقترحاً تحويلها إلى سندات صادرة عن مصرف لبنان، بنسبة استرجاع قد تبلغ 15% في المرحلة الأولى، مع إمكانية تحسّنها بتحسّن الأوضاع الاقتصادية. غير أن الحرب تُضيّق هامش هذا التحسن، إذ تنخفض نسب الاسترجاع حتماً في أوقات النزاع، وترتفع في أوقات الازدهار والنمو.
مجلس النقد: رهان الاستقرار
يُشكّل إنشاء مجلس النقد (Currency Board) خياراً محورياً لحماية الليرة اللبنانية من الصدمات الأمنية، وذلك بتغطية العملة الوطنية بالدولار بنسبة 100%. وقد اعتمد هذا النموذج في هونغ كونغ والبوسنة والهرسك عقب حربها الأهلية، وأثبت فاعليته في فصل الاضطرابات الأمنية عن سعر الصرف. يُتيح هذا النظام للمستثمرين الثقةَ اللازمة للإقبال على الاستثمار في السوق اللبنانية، لاسيما أن أسعار الأصول باتت متدنيةً، وكثيراً ما يُحجم المستثمرون خشية انهيار سعر الصرف.
الأبعاد الإقليمية: ايران والخليج
تدخل إيران الحرب وهي تعاني عجزاً اقتصادياً حاداً؛ إذ تراجعت عملتها إلى مستويات قياسية، وتتكبّد موازينها التجارية ومدفوعاتها عجوزات متراكمة، فيما يتقلّص ناتجها المحلي في ظل احتجاجات شعبية على الأوضاع المعيشية. ومن اللافت أن التركيز الإيراني في هذا النزاع ذو طابع اقتصادي بامتياز، يتجلّى في استهداف حقول النفط والغاز في دول الخليج بالمسيّرات، مما أوقف قطرُ معه إنتاجها من الغاز الذي يمثّل 20% من الإنتاج العالمي، وأحجمت السعودية عن تشغيل أكبر مصافيها النفطية. يُفضي ذلك إلى ارتفاع متوقع في أسعار الغاز الأوروبي بنسبة 40 إلى 50%، وضغط على أسعار الوقود الأمريكي في مرحلة انتخابية دقيقة.
غير أن ورقة إغلاق مضيق هرمز تبقى سلاحاً ذا حدّين؛ فـ90% من صادرات إيران النفطية تعبر هذا المضيق، فيما تمتلك السعودية خطاً بديلاً نحو البحر الأحمر، وتمتلك الإمارات خطاً آخر نحو خليج عُمان. في المقابل، تفتقر قطر والكويت إلى منافذ بحرية بديلة، كما تمتلك الدول الغربية والصين احتياطيات نفطية كافية لامتصاص الصدمة لفترة. ويبدو جلياً أن الوقت لا يعمل لمصلحة إيران، مما يفسّر انتقالها المبكر إلى اللعبة الاقتصادية منذ الساعات الأولى للنزاع.
الفرص المُهدَرة وآفاق الإصلاح
يحمل لبنان موروثاً من الفرص الضائعة جراء تغييب الإصلاحات وإهمالها. فبدلاً من أن يكون حلقة الوصل بين الخليج العربي والغرب، كما كان يسعى تاريخياً، تغيّرت الخريطة الجغرافية من حوله؛ إذ باتت مصر منصةً أساسية للغاز على البحر المتوسط، وتمرّ خطوط نفط بديلة عبر مسارات منافسة. وفي أحسن الأحوال، يستطيع لبنان تأمين احتياجاته من المحروقات عبر أنابيب تعبر العراق وسوريا.
تتمحور الإصلاحات المطلوبة حول ثلاثة محاور: إصلاح القطاع المالي والنقدي عبر معالجة الفجوة المالية وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وإصلاح قطاع الكهرباء الذي يُثقل الموازنة ويُرهق الاقتصاد، وتفكيك احتكارات قطاع الاتصالات لتحرير المنافسة. يُضاف إلى ذلك استعادة روح المبادرة الفردية التي طبعت الاقتصاد اللبناني تاريخياً قبل أن تُهيمن الدولة على القطاعات الخدمية الكبرى في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية.
تبقى استعادة الثقة في القطاع المصرفي مفتاحاً لإعادة التعاملات إلى دائرة الاقتصاد الرسمي، وهو ما يستلزم إقرار قانون الفجوة المالية وتطبيقه فعلياً، لا تأجيله مرة بعد أخرى. فمتى عادت التعاملات إلى القطاع المصرفي المنضبط، أمكن إخراج لبنان من اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي (فاتف)، ومن الدوامة التي حبسته فيها سنوات من التردد والإخفاق في الإصلاح.