يمثل قانون الفجوة المالية إطاراً عاماً لمعالجة الخسائر في القطاع المصرفي اللبناني، حيث يحدد تراتبية واضحة لتوزيع الخسائر بين رأس مال المصارف والمودعين. وُضعت هذه الخطة في عام 2021 ضمن اتفاق لبنان مع صندوق النقد الدولي، وشكلت البند الأول من بنود الإصلاح التي تضمنت أيضاً إعادة هيكلة القطاع المصرفي، وإلغاء السرية المصرفية، وتوحيد سعر الصرف، وإقرار موازنة 2022.
تتطلب أي أزمة مالية عزل القطاع المصرفي عن بقية الاقتصاد ومعالجة الأزمة بسرعة لمنع انتقالها إلى ركود اقتصادي. للأسف، تأخر لبنان في تطبيق هذه الإجراءات مما أدى إلى وصول البلاد إلى حالة من الركود الاقتصادي العميق. يستحيل إصلاح اقتصاد البلد وتحسينه دون معالجة أوضاع القطاع المصرفي المتردية.
يهدف قانون الفجوة المالية إلى إعادة القطاع المصرفي إلى العمل، حيث يعاني البلد من عطش شديد للقروض. تواجه الشركات صعوبات في التمويل الذاتي، وتشير استطلاعات الرأي إلى أن المشكلة الأساسية للشركات العاملة في لبنان هي نقص التمويل والحاجة إلى قروض للتوسع والتوظيف. يعيد هذا القانون القطاع المصرفي إلى العمل ويمكّن المواطنين من الحصول على قروض السيارات والمنازل والقروض الشخصية.
يحسّن الإبقاء على الوضع الحالي دون تطبيق القانون وضعية المودعين بشكل كبير. حالياً، يحصل المودع على مبلغ 100,000 دولار خلال ثماني إلى عشر سنوات، بينما يختصر القانون هذه المدة إلى أربع سنوات فقط. يشكل الإبقاء على الوضع الراهن جريمة بحق المودعين، إذ يمنحهم القانون الجديد شروطاً أفضل بكثير مما يحصلون عليه حالياً.
اختفت الأموال التي وضعها المودعون في المصارف بعد أن استثمرها القطاع المصرفي في مصرف لبنان الذي استخدمها لشراء سندات خزينة. ينص القانون اللبناني على وجود نظام ضمان الودائع الذي يغطي عادةً مبلغاً محدوداً لا يتجاوز 5,000 دولار حسب الممارسات الدولية. يرفع هذا القانون الحد الأدنى المضمون إلى 100,000 دولار، مما يحسن بشكل كبير ما يمكن للمودعين الحصول عليه في حالة التصفية الطبيعية للمصارف.
تطلب الحكومة اللبنانية من القطاع المصرفي تأمين 8 مليارات دولار على مدى أربع سنوات، بينما يتحمل مصرف لبنان مسؤولية دفع 12 مليار دولار. يصل إجمالي المبلغ المطلوب لتغطية الودائع حتى 100,000 دولار إلى حوالي 20 مليار دولار. يعتبر المصارف أن مبلغ الثمانية مليارات المطلوب منها كبير وصعب التأمين، وهو أمر مفهوم نظراً للظروف الاقتصادية الصعبة.
يمتلك مصرف لبنان حالياً احتياطياً إلزامياً يبلغ 12 مليار دولار بعد أن كان قد انخفض إلى 8 مليارات. جاءت الزيادة بمقدار 4 مليارات دولار من ودائع الدولة لدى مصرف لبنان، حيث حققت الدولة فائضاً منذ بداية الأزمة وحتى اليوم. يمثل ما لا يقل عن 4 مليارات دولار من الاحتياطي الإلزامي البالغ 12 مليار أموال الدولة، بل يزيد عن ذلك نظراً لأن المصرف المركزي كان يدفع للموظفين 800 دولار شهرياً بعد أن كان يدفع 500 دولار، مما أدى إلى تقليص حصة المودعين تدريجياً.
تتحمل الحكومة اللبنانية فعلياً حوالي 6 مليارات دولار من الاحتياطي الإلزامي، وهو ما يمثل نصف المبلغ، بينما يمثل النصف الآخر ما تبقى من أموال المودعين التي وضعوها في المصارف. ينقل القانون الالتزام من المصارف العاجزة حالياً عن الدفع إلى مصرف لبنان، وهو المؤسسة الوحيدة في الدولة اللبنانية القادرة على الوفاء بهذه الالتزامات، خاصة أن الدولة نفسها متخلفة عن دفع ديونها.
يفرض القانون على المصارف اللبنانية تأمين 8 مليارات دولار خلال أربع سنوات. تستطيع المصارف الراغبة والقادرة على تأمين هذا المبلغ الاستمرار في العمل والعودة إلى نشاطها الطبيعي من منح القروض وتقديم الخدمات المصرفية. أما المصارف غير المستعدة لتأمين حصتها، فيجب عليها الخروج من السوق لأنها لم تعد قادرة على الاستمرار.
لا يضع القانون جميع المودعين في نفس الفئة أو الخانة. يميز القانون بين عدة فئات من المودعين بناءً على طبيعة تعاملاتهم. تحصل الفئة الأولى، وهم الأشخاص الذين قاموا بعمليات شيكات، على 20,000 دولار فقط من أصل 100,000 دولار. أما الفئة الثانية، وهم الذين حولوا أموالهم إلى الخارج بسعر صرف 1,005 ليرة عندما كان السعر الفعلي حوالي 20,000 ليرة، فلا يحصلون على أموالهم كاملة بل بمعدل معدّل. يطالب القانون الأشخاص الذين حولوا أموالهم إلى الخارج عندما كان ممنوعاً على الشعب اللبناني التحويل بإعادة 30% من تلك الأموال.
تُشطب بالكامل الحسابات المشتبه بها في عمليات تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. كذلك، يعامل القانون الأشخاص الذين حصلوا على فوائد مرتفعة بشكل مختلف. يطبق لبنان المعايير الدولية المتبعة في أزمات مشابهة مثل أزمة أيسلندا وقبرص، حيث تدخلت الدولة لضمان الودائع المضمونة فقط. رُدّ للناس في تلك البلدان رأس المال الذي وضعوه دون الفوائد، بينما يرد لبنان رأس المال بالإضافة إلى فائدة 2%، وهو معدل مقبول جداً وفق المعايير الدولية.
تثار تساؤلات حول احتمال قيام المودعين بتحويل أموالهم إلى الخارج فور استلامها نظراً لانعدام الثقة في النظام المصرفي اللبناني. يعالج قانون الفجوة المالية الأوضاع المالية للمصارف ويجعلها نظيفة وقادرة على العمل، لكنه لا يرد الثقة بالضرورة. تتطلب استعادة ثقة المودعين قانوناً آخر هو إنشاء مجلس النقد.
يعيد مجلس النقد الثقة إلى القطاع المصرفي ويسمح بدخول أموال كبيرة جداً إليه، مما يجعل مبلغ الثمانية مليارات دولار المطلوب من المصارف أسهل بكثير في السداد. يكفل مجلس النقد ثبات سعر الصرف ليس لأن الدولة تضمنه، بل لوجود أموال فعلية في الصندوق. تؤدي زيادة طفيفة في الفائدة على الليرة اللبنانية مقارنة بالفوائد المدفوعة في الولايات المتحدة إلى جذب أرباح كبيرة إلى البلد، بما في ذلك رؤوس الأموال التي يحتفظ بها المغتربون والمستثمرون الدوليون.
حوّلت هونغ كونغ نفسها بعد أزمتها إلى المركز المالي الأول في آسيا بفضل اعتمادها نظام مجلس النقد. يستطيع مجلس النقد تحويل لبنان من جديد إلى مركز مالي رئيسي في الشرق الأوسط، مما يعيد للبلد دوره الاقتصادي والمالي الذي فقده خلال السنوات الأخيرة من الأزمة المالية والاقتصادية الخانقة.
كيف ينظم قانون الفجوة المالية استرداد أموال المودعين؟
