موازنة 2026: موازنتان لم تتركا للطوارئ “مطرحاً”

موازنة

توحي طريقة تعاطي السلطة السياسية مع موازنة 2026، وكأن هذه الوثيقة المالية الأهم هي العدو. وإذا تركنا لمخيّلتنا تصوير ما عانته في المسار الذي سلكته من الوزارات إلى الحكومة، فلجنة المال والهيئة العامة، بشكل درامي، لأخرجنا “مقطع فيديو صغير” (Reel) فيه مغلّف ورقي يتعرّض للسحق عند مروره في كل مرحلة من هذه المراحل، وصولاً إلى تطيير أوراقه تحت قبّة البرلمان، كما هو متوقّع أن يحدث لحظة التصويت عليها يوم الخميس المقبل.

ليس في الأمر مبالغة، إنما توصيف للانتهاكات الكثيرة التي تعرّضت لها الموازنة منذ ما قبل إرسالها إلى لجنة المال بالمرسوم رقم 1478 في 2 تشرين الأول 2025، لغاية اليوم. فهي أُعدّت على قاعدة تقدير جزء من النفقات، ومن ثم البحث عن كيفية تأمين الإيرادات. فأتت متوازنة في الشكل، عند رقم 5 مليارات و975 مليون دولار، من دون الحاجة إلى واردات استثنائية. لكنها، في المقابل، كانت مختلّة في المضمون، لعدم لحظها مدفوعات الديون الأجنبية، وإعادة الإعمار، واعتمادها بشكل مطلق على الرسوم والضرائب، ولا سيما غير المباشرة. وتُقدَّر الإيرادات الضريبية بنحو 82.2 في المئة من مجمل الإيرادات، 74 في المئة منها ضرائب غير مباشرة.

هذا لجهة الإيرادات، أما في الجهة المقابلة فبقيت النفقات متضخّمة، ولا سيما على القطاع العام الذي امتصّ 4.5 مليارات دولار من مجمل الإيرادات، ذهبت على الرواتب وملحقاتها، والأبنية وصيانتها، والمجالس ومنتفعيها. ولم نشهد أي إصلاح جدّي أو إعادة هيكلة فعلية للقطاع العام، كما كان مرتجى.

موازنة ملحقة لم تُقرّها الحكومة

الاختلال الجوهري الذي وصلت به الموازنة إلى لجنة المال، خرجت به بخلل أكبر منه، مع تصفير بند “احتياطي الموازنة”، وتضمينها 20 مادة جديدة أُرسلت في اللحظة الأخيرة من وزارة المالية، لم يناقشها الوزراء ولا النواب، وتضمينها إيرادات لم تُقرّها الحكومة. فبعد اختتام المناقشات والتحضّر لرفع الموازنة إلى الهيئة العامة، “تفاجأنا بتأبّط رئيس اللجنة، النائب إبراهيم كنعان، ملفاً مُرسلاً من وزارة المالية، يتضمّن موازنة ثانية غير تلك التي ناقشناها”، تقول النائبة غادة أيوب. وقد تضمّن الملف 20 بنداً، تشكّل 40 في المئة من الموازنة الأساسية المؤلّفة من 49 بنداً في الأصل. والأغرب أن هذه البنود لم تُرسل، كما علمنا، من الوزراء، ولم تُناقش على طاولة مجلس الوزراء، كما يفرض الدستور وأصول المحاسبة العمومية، اللذان يمنعان إضافة مواد إلى الموازنة من دون العودة إلى مجلس الوزراء. هذا عدا عن عدم توفّر الوقت اللازم لمناقشة هذه المواد في لجنة المال، لكونها تتطلّب نصف الوقت الذي أخذته مناقشة بنود الموازنة الأساسية، ما يُفوّت المهل الدستورية، ويُجيز تالياً للحكومة إصدار الموازنة بمرسوم في حال عدم إقرارها في مجلس النواب بعد نهاية كانون الثاني، على غرار ما حصل في موازنة العام 2025.

تصفير بند احتياطي الموازنة

العودة بالشريط قليلاً إلى الوراء تكشف مخالفة لا تقلّ فداحة، تمثّلت بـ”تصفير بند احتياطي الموازنة“، تقول أيوب، تحت ضغط الوزارات والشراهة المفتوحة على الإنفاق. وإن كان بعض هذا الإنفاق مستحقاً، فإن الأصول تقتضي إقراره في مجلس الوزراء من دون تعريض الاحتياطي، الذي يُصنَّف كصمّام أمان مالي، يوازن بين التخطيط المسبق والقدرة على الاستجابة للطوارئ. فأهمية هذا البند تحديداً تنبع من كونه أداة مالية وقائية تتيح للدولة التعامل مع المتغيّرات غير المتوقّعة خلال السنة المالية. وهو يضمن بالتالي عدم توقّف المرافق العامة عند ظهور أعباء غير منتظرة، ويمنح الحكومة هامش حركة بإعادة توجيه الإنفاق من دون الحاجة إلى تعديل الموازنة.

لكن ما جرى يناقض كل الأصول في العمل المالي السليم، حيث تم تحويل 29 ألف مليار ليرة من حساب احتياطي الموازنة إلى مجموعة من الوزارات والصناديق. فخُصّص 10 آلاف مليار ليرة لزيادة الرواتب والأجور، وتم توزيع 19 ألف مليار ليرة على الشكل الآتي:

– 5000 مليار ليرة لوزارة الصحة.

– 8000 مليار ليرة لمجلس الجنوب والهيئة العليا للإغاثة.

– 1500 مليار ليرة لصندوق الأساتذة في وزارة التربية والتعليم العالي.

– 386 مليار ليرة لوزارة البيئة لتمويل مشاريع مشتركة مع البلديات واتحادات البلديات، منها ما هو على علاقة بالنفايات الصلبة.

– مبلغ لتعزيز موازنة الجيش نسبةً إلى كلفة انتشاره في الجنوب، وتعزيز بنود التغذية والتجهيز والطبابة في الجيش وقوى الأمن والأمن العام وأمن الدولة.

– 1000 مليار ليرة لتعزيز موازنة الدفاع المدني لتمكينه من تطوير قدراته والاستمرار في تأدية خدمته.

– مبلغ لتعزيز اعتمادات أجهزة الرقابة، من تفتيش مركزي، والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وديوان المحاسبة، والمجلس الدستوري، والهيئة العليا للتأديب، وغيرها.

– مبلغ للمستحقات المتوجّبة لموظفي مراكز الرعاية الصحية في مختلف المناطق، ووضع آلية بين المالية والشؤون الاجتماعية للمباشرة بدفع مستحقات العاملين فيها المتوقفة منذ سبعة أشهر.

– نقل اعتماد إلى الاحتياط لرواتب الملحقين الاقتصاديين وحلّ مشكلتهم بين وزارتَي الخارجية والاقتصاد.

– رصد اعتمادات لمشاريع عدد من الطرق الرئيسية بين وزارة الأشغال ومجلس الإنماء والإعمار، كأوتوستراد جونية والأوتوستراد العربي وغيرهما.

– تعزيز اعتمادات المحافظات من الشمال إلى جبل لبنان والبقاع وبعلبك الهرمل والنبطية وعكار، لتمكينها من تطوير بنيتها وخدماتها للمواطنين.

– 961 مليار ليرة للجامعة اللبنانية، لرفع تعرفة ساعات التعاقد وتسديد ديون متراكمة من أبنية وصيانة وإيجارات.

الحل بالإيرادات العامة!

وتنقل أيوب عن رئيس اللجنة، النائب إبراهيم كنعان، تفاؤله بتحقيق الخزينة إيرادات إضافية هذا العام، كما حصل خلال العام 2025، حيث زادت الإيرادات الفعلية بنسبة 21 في المئة وحققت 6 مليارات دولار، ما يسمح بتغذية الحساب. لكن هذا التفاؤل لا يعكس، بحسب أيوب، جواز إضافة واردات في الموازنة من دون العودة إلى مجلس الوزراء.

على مدار الأيام الثلاثة المقبلة سنشاهد عروضاً متواصلة أثناء مناقشة مشروع الموازنة في البرلمان، من المتوقّع أن تكون صاخبة، تتوّج يوم الخميس المقبل بالتصويت على إقرارها. ومن اليوم وحتى ذلك الحين، ستأخذ الشعبوية مداها على حساب المواطن والاقتصاد.