تحرير قطاع الاتصالات في لبنان: نحو بيئة تنافسية ومنتجة اقتصادياً

تُشكّل قطاع الاتصالات ركيزةً محوريةً في أي اقتصاد حديث، إذ تتشابك ارتباطاته مع مفاصل النمو والاستثمار وجذب الكفاءات. وفي السياق اللبناني، أبدى عدد من الخبراء الاقتصاديين وممثلي القطاع العام قلقهم إزاء المسار الراهن لهذا القطاع، داعين إلى إعادة النظر جذرياً في آليات إدارته وتنظيمه.

تراجعت مساهمة القطاع في إيرادات الخزينة العامة من نحو 1.6 مليار دولار عام 2015 إلى ما يقارب 1.2 مليار دولار عشية الأزمة عام 2019، مسجّلاً خسارةً في العائدات تتراوح بين 400 و500 مليون دولار. غير أن المشكلة لا تقتصر على تراجع المردود المالي للخزينة، بل تتجاوزه إلى أضرار أعمق تطال الاقتصاد الوطني برمّته؛ إذ أسهمت كلفة الاتصالات المرتفعة وتدني جودة الخدمات في تنفير الشركات الراغبة في الاستثمار، وأجبرت الكفاءات التكنولوجية اللبنانية على البحث عن فرص العمل خارج البلاد.

تُعدّ إعادة صياغة الهدف الجوهري للقطاع خطوةً أساسيةً في أي مسار إصلاحي جدي؛ فبدلاً من اعتباره مصدراً للإيرادات الحكومية، ينبغي النظر إليه بوصفه محرّكاً للنمو الاقتصادي وجاذباً للاستثمارات. ويتجلى ذلك في مؤتمر “بيروت 1” حين أعلنت جهات استثمارية عن نوايا بضخ ملياري دولار في خمسة عشر مشروعاً، في حين خلا قطاع الاتصالات من أي إعلانات استثمارية، وكان السبب الصريح الذي أبدته تلك الجهات هو الطابع الاحتكاري الذي تفرضه الدولة على هذا القطاع.

تعمل حالياً الهيئة الناظمة للاتصالات وفق أحكام القانون 431 الصادر عام 2002، وهو قانون بات متجاوَزاً بفعل التطور المتسارع لقطاع التكنولوجيا. ويُرى أن من الأولويات العاجلة تعديل هذا القانون ليواكب متطلبات المرحلة، مع الإبقاء في المدى القريب على الشركتين القائمتين “MIC1″ و”MIC2” تحت إدارة خاصة، وتأجيل تخصيصهما لأجل لا يقل عن أربع سنوات، ريثما تكتمل الشروط اللازمة لإطلاق “لبنان تيليكوم”، وهي الشركة التي يُعتزم إنشاؤها بوصفها كياناً ثالثاً في السوق.

يُميّز الخبراء في هذا الإطار بين مسألتين جوهريتين كثيراً ما تختلطان في النقاش العام: ملكية الأصول من جهة، وإدارة القطاع من جهة أخرى. فلا يستلزم تحرير القطاع بالضرورة بيع الأصول المملوكة للدولة، بل يكفي فتح باب المنافسة بين شركات تُدار وفق معايير القطاع الخاص وتحت إشراف الهيئة الناظمة. ويمكن للدولة في مرحلة أولى طرح الأسهم في السوق المحلية، ثم العمل لاحقاً على توسيع قاعدة المستثمرين. وما يُشترط في المقام الأول هو أن تُتاح للمستثمر صلاحية إدارة المجلس وتوجيه الاستثمارات، على أن تكون الاستثمارات المرتقبة في كل شركة بحدود 200 مليون دولار على مدى سنتين، ضمن معايير أداء واضحة وقابلة للقياس.

يُشير الخبراء إلى أن التجربة اللبنانية السابقة مع القطاع الخاص في الاتصالات لم تُفضِ إلى منافسة حقيقية، بل أفرزت ثنائياً احتكارياً قدّم عروضاً متطابقة وباتت بمثابة كارتيل. ومن هنا تنبع الأهمية القصوى للهيئة الناظمة بوصفها ضامنةً للمنافسة الفعلية، لا مجرد جهاز تراخيص. وترى هذه الرؤية أنه بدلاً من تحديد عدد الرخص مسبقاً، ينبغي فتح باب الترخيص لكل من تتوافر فيه الشروط، ما يُبقي السوق مفتوحاً أمام أي مشغّل جديد يقدر على تقديم خدمة أفضل أو تكلفة أدنى، بصرف النظر عن حجم السوق المحلية.

تُكشف الأرقام عن الثقل الحقيقي لأزمة التعرفة؛ إذ تستهلك أرخص باقة إنترنت متاحة من أوجيرو نحو 1.5% من الحد الأدنى للأجور في لبنان، في حين لا تتجاوز الكلفة ذاتها 0.01% من الحد الأدنى للأجور في دول أخرى. وإذا أُضيف إلى ذلك اشتراك خط ثابت منزلي بسرعة معقولة، ارتفعت الكلفة الإجمالية إلى نحو 40 دولاراً شهرياً، أي ما يعادل 14% من الحد الأدنى للأجور. وتُعدّ هذه النسبة مرتفعةً بشكل لافت، ولا يمكن تصحيحها إلا بتحرير السوق وتعزيز المنافسة، إذ لا يمثّل ارتفاع الأسعار في حد ذاته جوهر المشكلة، بل تدني الدخول في مقابل تلك الأسعار.

يبرز توسيع تغطية الألياف الضوئية على امتداد الأراضي اللبنانية كافة بوصفه أولويةً عاجلةً، بما يشمل المناطق التي لا تزال خارج سيادة الدولة الرقمية. ويكمل ذلك توجّه نحو الاتصال اللاسلكي الثابت، إذ تعتزم الهيئة الناظمة إطلاق ترددات جديدة ظرف أسابيع، كما يُقترح توسيع نطاق خدمة “ستارلينك” لتشمل الأفراد إلى جانب الشركات، بدلاً من حصرها في استخدامات محددة.

يمثّل ملف الموظفين في أوجيرو ووزارة الاتصالات عاملاً حساساً في أي خطة إصلاحية، إذ لا يمكن المضي قُدُماً في إنشاء “لبنان تيليكوم” قبل التوصل إلى اتفاق مسبق مع الموظفين حول تعويضات نهاية الخدمة ومتطلبات القانون 161/2. ويُلفت في هذا السياق إلى أن الكفاءات البشرية تُعدّ اليوم رأسمال حقيقياً في قطاع الاتصالات العالمي، وأن الطلب عليها مرتفع، مما يُخفف من القلق حيال مستقبل هؤلاء الموظفين.

يستلزم الإصلاح الشامل لهذا القطاع نشر سياسة واضحة ومعتمدة من مجلس الوزراء تُحدد مسار التحرير التدريجي على مدى السنوات المقبلة، وتُتيح للقطاع الخاص قراءة المشهد والتخطيط للاستثمار. ويُذكّر الخبراء بأنه لا نهوض لأي اقتصاد دون استثمار جاد في البنية التحتية، وأن قطاع الاتصالات يمثّل اليوم بوابة لبنان نحو الازدهار الاقتصادي، شرط أن تُحسن إدارته والاستثمار فيه.

اضغط هنا لمشاهدة المقابلة كاملة على قناة الجديد