في الخامس من آب 2022، أدخل مجلس الوزراء مجموعة كبيرة من التعديلات على قطاع الكهرباء ضمن ما عُرف وقتها بخطة الطوارئ، فأقرّ رفع التعرفة بمئات الأضعاف وحددها بـ27 سنتًا للكيلوواط ساعة. كما وافق على تمويل شراء الفيول أويل لفترة محددة بقيمة 460 مليون دولار سنويًا، ريثما تبدأ مؤسسة الكهرباء بتحصيل الإيرادات من التعرفة الجديدة، ما يمكّنها لاحقًا من شراء المحروقات من مواردها الخاصة. وألزم المؤسسات العامة بتسديد متوجباتها للكهرباء، التي تصل إلى 200 مليون دولار سنويًا، ووعد بمشاركة جميع الوزارات والإدارات المعنية في مكافحة السرقة وإزالة التعديات عن الشبكة. والأهم من ذلك أن مفاعيل هذه القرارات ستسفر عن تأمين عشر ساعات تغذية كحد أدنى، على أن ترتفع التغذية تدريجيًا لتصل إلى الحلم المنشود: 24 ساعة يوميًا.
من دون الحاجة إلى حشد البراهين، يلاحظ القاصي والداني أنه، باستثناء رفع التعرفة، لم يتحقق شيء من كل الوعود، بل على العكس، تمت مخالفتها جذريًا في شقّين أساسيين:
- تحديد التعرفة.
- تمويل شراء المحروقات.
في ما يخصّ التعرفة، فقد نصّت الخطة بوضوح على احتسابها بنحو 27 سنتًا لكل كيلوواط ساعة، على أن تُعدَّل كل شهر أو شهرين بحسب كلفة الإنتاج المعتمدة على سعر النفط العالمي. وهذا ما لم يحصل، إذ إن سعر برميل “برنت” عند تحديد التعرفة كان 110 دولارات، ثم انخفض خلال عام 2025 بأكثر من 50 في المئة، ووصل إلى أقل من 60 دولارًا، فيما بقيت التعرفة ثابتة. في حين أنه كان من المفترض تخفيضها إلى 15 سنتًا على الأقل.
آلية شراء المحروقات
أما الطامة الكبرى فتمثّلت في استمرار تحمّل الخزينة العامة كامل كلفة شراء النفط العراقي، حيث تجاوزت المبالغ المستحقة ملياري دولار. ومن غير المعلوم حجم العائدات السنوية لمؤسسة الكهرباء من التعرفة الجديدة، نظرًا لغياب الشفافية وعدم الإفصاح عن الحسابات الرسمية للمؤسسة.
ويشير منسّق سياسات الشراكة في المعهد اللبناني لدراسات السوق، غسان بيضون، إلى أن آلية شراء الفيول لتلبية حاجة مؤسسة الكهرباء يجب أن تتم بإحدى طريقتين:
- إما عبر وزارة الطاقة والمياه، في حال كانت الدولة هي من تموّل عمليات الشراء، بحيث تضع الوزارة، عبر المديرية العامة للمنشآت النفطية، آلية واضحة للمناقصات، على أن تخضع هذه المناقصات لرقابة ديوان المحاسبة المسبقة للتأكد من سلامتها.
- وإما عبر المؤسسة نفسها، من خلال إطلاق مناقصات عامة وفق نظامها، لشراء المحروقات من إيراداتها، ومن دون أي تأثير أو تدخل من قبل وزارة الطاقة.
لكن ما يجري على أرض الواقع مخالف تمامًا، إذ “تجري عمليات مبادلة النفط العراقي الخام بفيول أويل صالح لتشغيل معامل الكهرباء عبر مناقصات تعوزها الشفافية”، يقول بيضون، مشيرًا إلى أن “تنفيذ آليات التبادل النفطي مع العراق يسوده الغموض، ويفتقد إلى الوضوح بشأن الكميات الخام التي يشتريها لبنان ومقدار ما يحصل عليه من عمليات التبادل”. ويضيف أن ما زاد الطين بلة هو دخول الفساد على عمليات تبادل النفط، وظهور معطيات تفيد بمخالفة الفيول أويل للمواصفات والمعايير المطلوبة.
ولعل أخطر ما في هذا الملف، من وجهة نظر بيضون، هو “تجزئة العمليات لتضييع المسؤوليات، إذ تشترك في عمليات الشراء جهات عدة، من مصرف لبنان المعني بفتح الاعتماد بناءً على مستندات تعوزها الدقة أحيانًا، إلى وزارتي المالية والطاقة، والمديرية العامة للنفط، والمختبرات في المنشآت”.
ويشير إلى أنه يُعمد في العديد من الأحيان إلى “طلب الشحنات في اللحظة الأخيرة، ما يدفع إلى تجاوز كثير من أصول الشراء بحجة العجلة وعدم إغراق البلد في العتمة”. وغالبًا ما تصل الشحنات قبل فتح الاعتمادات، ما يكبّد الخزينة غرامات تأخير تفريغ تتجاوز 10 آلاف دولار يوميًا، بحيث أصبح التأخر في التفريغ جزءًا طبيعيًا من كلفة المحروقات.
“تمثيلية” رفع التعديات
في الوقت الذي يكثر فيه انتقاد مؤسسة الكهرباء، تتساقط بياناتها عن رفع التعديات بالمئات، كالشتاء. غير أنه، على الرغم من أهمية مكافحة الهدر غير التقني، فإن “الآلية التي تتم فيها مكافحة التعديات لا يُعوَّل عليها”، برأي بيضون، نظرًا إلى أن نسبة السرقة من الشبكة تتجاوز 50%. ويرى أن الأجدر بالمؤسسة الإفصاح عن مقدار الطاقة التي تضخّها شهريًا على الشبكة، وقيمة الفواتير التي تصدرها، لأن هذا هو الرقم الأساس الذي يبيّن حجم المشكلة، ومنه يمكن الانطلاق نحو المعالجات الفعلية.
التهاب غير قابل للعلاج
مشاكل الكهرباء لا يمكن حصرها بمقدار “الالتهاب” غير القابل للعلاج الذي أصاب مفاصلها بداء “الروماتويد”، بل بما تكبّده للأفراد والاقتصاد والمؤسسات من كلفة لا أحد يستطيع تحمّلها. فعدا عن عشرات مليارات الدولارات من الديون وفوائدها التي رتّبتها بالسلفات على الاقتصاد، وكانت سببًا من أسباب الانهيار وتضييع أموال المودعين، يسقط يوميًا ضحايا لهذه التعرفة من القطاع الخاص، وليس آخرهم أحد أكبر مصانع الحديد الذي لم يعد يحتمل كلفة توليد الطاقة ففضّل الإقفال. وما التعديات من بعض المواطنين إلا نتيجة مباشرة لهذه التعرفة غير العادلة.
المؤسسة تعيش خارج الأصول، بل أكثر من ذلك خارج التاريخ، ولا أمل في شفائها مهما حاولنا. ومن المسؤولية تأمين بدائل للبنانيين تضمن الأمن الطاقوي، وتخفّف الأعباء عن قدرتهم الشرائية، وتعزّز تنافسية مؤسساتهم. وهذا ما سنتناوله بالتفصيل في الجزء الثالث والأخير من هذه السلسلة.
