التضييق على عبور السفن مضيق هرمز، وإلغاء شركات تأمين عالمية تغطية مخاطر الحرب في الخليج العربي، دفعا أسعار الغاز إلى التحليق. فنحو ثلث الإمدادات العالمية من الغاز الطبيعي المسال تأتي من قطر، المحاصرة بنيران الحرب على إيران. فيما دفع توقف الإنتاج كليًا أو جزئيًا في حقول أساسية في قطر والسعودية والعراق والكويت والإمارات وإسرائيل، وتراجع إنتاج المصافي، إلى مفاقمة المشكلة.
قبل أن يشفى العالم عمومًا، وأوروبا خصوصًا، من صدمة الغاز التي أحدثتها الحرب الروسية على أوكرانيا بعد انقطاع الإمدادات، عاد شبح النقص في المعروض وارتفاع أسعاره ليخيّم فوق رؤوس الدول. فخلال تعاملات النصف الثاني من جلسة يوم أمس الاثنين، ارتفع سعر الغاز في أوروبا بأكثر من 50%. ووصل سعر عقد «تي تي إف» الآجل للغاز إلى 47.32 يورو للميغاواط/ساعة.
شبح ارتفاع الأسعار
وينذر التعطل الطويل في عبور إمدادات الغاز الطبيعي عبر مضيق هرمز بارتفاع الأسعار إلى ما فوق 100 يورو لكل ميغاواط/ساعة، بحسب تقديرات “غولدمان ساكس”. وإذا ما ترافق هذا الانقطاع مع تصاعد وتيرة الحرب، وتكثيف الهجمات على المنشآت النفطية في البحر المتوسط إضافة إلى الخليج العربي، فإن الغاز قد يستعيد سريعًا السعر القياسي الذي سجله في العام 2022 عقب نشوب الحرب الروسية على أوكرانيا، حيث تجاوز 300 يورو لكل ميغاواط/ساعة. وهذا المستوى من الأسعار كفيل بتدمير الطلب العالمي على الغاز، ورفع أسعار مختلف السلع والخدمات إلى المستويات المحققة قبل أربع سنوات.
المضاربات تحكم الأسعار
على الرغم من حالة اللايقين التي تسيطر على المشهد الاقتصادي، وحدّة الاضطرابات، فإن السعر لا يزال أقل بكثير من المستويات التي بلغها عام 2022 مع بداية الحرب في أوكرانيا، وذلك لكون “أسعار الغاز ترتبط بعقود طويلة الأجل تتراوح بين 10 و15 عامًا، متفق على قيمتها مسبقًا”، برأي الخبير في مجال النفط والغاز عبود زهر. أما بالنسبة إلى الارتفاعات التي نشهدها على شاشات البورصات، فهي تعود بشكل أساسي إلى المضاربات الناجمة عن استغلال المتعاملين لنقص المعروض لتحقيق الأرباح، من وجهة نظر عبود، فيما الأسعار الحقيقية المتفق عليها بين المنتجين والمستوردين تبقى ثابتة على أرض الواقع.
تدبير احترازية
المؤشرات القياسية للغاز الطبيعي في أوروبا وآسيا لم تعكس حتى الآن بشكل كافٍ علاوات المخاطر المرتبطة بإيران. فالأسواق تقرأ تراجع الإمدادات الناتج عن تعطيل الملاحة بمضيق هرمز، ووقف العمل ببعض المنصات كتدبير احترازي مؤقت، برأي المتخصصة في حوكمة الطاقة وعضو المبادرة اللبنانية للنفط والغاز LOGI ديانا القيسي.
وقد لجأت بالفعل كل من قطر وإسرائيل وإقليم كردستان إلى إقفال منصات الإنتاج خشية انفجار الآبار في حال تعرضها لأي هجوم، وبالتالي مفاقمة الأضرار والخسائر. وعليه، عندما ينتفي السبب ينتفي المُسبَّب، وتعود الأمور سريعًا إلى نصابها الصحيح.
أما فيما خص مضيق هرمز، فهناك عمل دولي جاد ودؤوب تقوده الولايات المتحدة لعدم إقفال هذا الممر وتعريض المبادلات في الأسواق لصدمات سعرية، نتيجة ارتفاع أسعار النفط، التي لم تكد تبدأ بالخروج منها. فالولايات المتحدة، وإن كانت لا تخشى من انقطاع الغاز أو ارتفاع سعره محليًا كونها مُصدّرًا صافيًا كبيرًا للغاز الطبيعي المسال، فإنها ستتدارك حتمًا ارتفاع أسعار النفط، ولا سيما قبل الانتخابات النصفية. فأي ارتفاع في أسعار النفط سيرفع أسعار المشتقات النفطية لديها، ويؤثر سلبًا على مواقف وآراء الناخبين، إذ من المتوقع أن يصعد سعر ليتر البنزين داخل الولايات المتحدة من حدود 2 إلى 2.5 دولار، إلى أكثر من 3 دولارات في حال وصول سعر برميل النفط إلى 100 دولار. وهذا ما يرتد سلبًا على الإدارة الحالية.
العودة إلى الفحم الحجري
حالة الاطمئنان التي استطاعت لجم الأسعار لغاية الآن قد لا تستمر طويلًا مع نهج إيران الهادف إلى إدخال جميع دول المنطقة في الحرب. فخلال الأيام الثلاثة الماضية أطلقت إيران أكثر من 450 صاروخًا و2140 طائرة مسيّرة على دول الخليج العربي، وحاولت استهداف قبرص، وحرّكت أذرعها العسكرية في دول أخرى. وهذا السلوك من إيران لتخفيف الضغط عنها ولعب أوراقها الاقتصادية، نظرًا لضعفها ، لا تستغربه القيسي، وستكون تداعياته كارثية على أسواق الطاقة العالمية فيما طال أمده.
فـ”مع إخراج دول الخليج وإسرائيل، وحتى مصر التي تؤمّن جزءًا من حاجاتها من الغاز من إنتاجها المحلي، لا يتبقى في الميدان إلا روسيا والولايات المتحدة”، تقول القيسي. و”الإنتاج في هاتين الدولتين لا يكفي العالم من جهة، وتواجه العديد من دول العالم معهما مشاكل”. فلا أوروبا تستطيع تأمين حاجاتها من روسيا، ولا الصين وبعض الدول الآسيوية تستطيع الاستيراد من الولايات المتحدة بالكميات الكافية. وهو الأمر الذي سيدفع، بحسب القيسي، لـ “العودة إلى الفحم الحجري سريعًا لتأمين الحاجات والحد من الانعكاسات على ارتفاع مختلف أسعار السلع والمنتجات”.
العالم الذي يقف أمام مسار تصاعدي لأسعار الغاز، سيلتف على كل الدعوات لتخفيف الاحتباس الحراري، وضبط البصمة الكربونية والحد من الانبعاثات، لصالح الوقود الأحفوري الأكثر توافرًا لتأمين الأمن الطاقوي”، من وجهة نظر القيسي، “ومن غير المستبعد إعادة تفعيل المفاعلات النووية. لأنه ببساطة، المواطنون لا يستطيعون العيش من دون طاقة.
همّ لبنان بـ جرة الغاز
لبنان، وإن كان لا يعتمد على الغاز المسال لتشغيل معامل الكهرباء ولا بقية الصناعات، فإن المواطنين يستهلكون جرات الغاز بشكل كبير جدًا لإعداد الطعام والتدفئة في فصل الشتاء. و”أي ارتفاع في أسعار الغاز عالميًا ينعكس سريعًا على الداخل اللبناني”، بحسب نقيب موزعي الغاز في لبنان فريد زينون، “حيث زادت الاسعار 16 ألف ليرة، ووصل سعر جرة الغاز إلى مليون و417 ألف ليرة، أي ما يقارب 16 دولارًا”.
الارتفاع ات في سعر الغاز، تهدد القدرة الشرائية لدى محدودي الدخل بالمزيد من التدني، ولا سيما أن قيمة الجرة الواحدة تشكّل نحو 6 في المئة من الحد الأدنى للأجور، وهي “لا تكفي المنزل لأكثر من 15 يومًا في فصل الصيف و30 يومًا في فصل الشتاء نظرًا لاستعمال المواقد كبدائل عن غاز الطبخ”، بحسب زينون. وإذ طمأن زينون إلى توفر المواد وعدم وجود أي انقطاع طالما البحر من أمامنا مفتوح، دعا المواطنين إلى عدم التهافت على شراء الغاز كي لا يحدث ضغط واستغلال في الأسواق، وللحفاظ على استقرار الأسعار.
أي مستقبل بالانتظار؟
إذاً، مستقبل الطاقة مرتبط بقدرة المرور بمضيق هرمز ووقف استهداف المنشآت النفطية. فإذا طالت مدة الإقفال شهرًا مثلًا، فإن أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا قد ترتفع إلى أكثر من الضعف، بحسب ما حذّر “غولدمان ساكس”. أما إذا تجاوزت ثلاثة أشهر، فإن السعر قد يحلّق قرب أعلى مستوياته المسجلة تاريخيًا.
الارتفاعات في سعر الغاز ستمثل حبل المشنقة الذي يلتف على أعناق دول أوروبا، وسيتركها أمام خيارين أحلاهما مر: إما تجرع الارتفاعات، وإما الانتقال إلى الوقود الأحفوري. والحالتان تمثلان نكسة لكل ما انتهج من سياسات نقدية لتخفيض أسعار الفائدة، وسياسات بيئية لحماية الأرض.
