ينذر تفاعل أسواق الأسهم والسندات العالمية مع حرب إيران بنتائج كارثية. فخلافًا لحرب الاثني عشر يومًا التي خاضتها الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران قبل أقل من عام، تأثرت الأسواق المالية العالمية بشدة بتداعيات حرب إيران المستجدّة. وتتحضر الأسواق، بحسب ما تبرزه المؤشرات، للأسوأ.
في الوقت الذي كانت فيه الضربات الصاروخية بين إيران وإسرائيل تضيء سماء الشرق الأوسط بلهب الانفجارات في حزيران 2025، كانت شاشات البورصات العالمية “مشعشعة” بالأخضر. فعلى الرغم من حدة الصراع الذي كاد يتحول إلى نووي آنذاك، كانت الأسواق تقرأ التطورات على أنها ظرفية. ولم يُستبعَد أيضًا أن تكون صناديق كبيرة قد تدخلت للمحافظة على الاستقرار لغايات غير اقتصادية. وساعدها على ذلك وجود قرار عالمي بالتحوّط من أي صدمة عالمية قد تنتج عن الحرب.
تراجع حاد في سوق المال الأميركي
كل ذلك لم ولن يتكرر في حرب إيران الحالية، التي تنفجر فوق الخليج والشرق الأوسط، وتطال شظاياها العالم أجمع. بل العكس تمامًا ما يحصل. فالأسواق الأمريكية، التي حافظت على ثباتها في أول يومين من الحرب، عادت لترزح سريعًا تحت ضغط التراجعات المسجلة في مختلف الميادين والنشاطات.
«شهد اليوم الرابع على اندلاع الصراع انهيارًا في سوق المال الأمريكي قبل أن يتحسن بشكل نسبي ويقفل على خسائر أقل»، يقول الخبير في الأسواق المالية والمدير التنفيذي لشركة Advisory and Business علاء غانم. فخلال الجلسة الصباحية، تراجع مؤشر داو جونز بين 1200 و2000 نقطة (نحو 2%)، ليعود ويقفل على 300 نقطة انخفاضًا.
وكان لافتًا أن «التراجع الحاد كان جماعيًا ولم يستثنِ حتى الشركات التكنولوجية التي عادة تستفيد في مثل هذه الظروف، وهذا ما دل عليه تراجع مؤشر ناسداك، الذي يضم شركات التكنولوجيا وأُقفل على انخفاض بنسبة 1%»، يضيف غانم.
ما الدلالات التي يمكن استنتاجها؟
ما شهدته أسواق الأسهم والسندات الأجنبية يمكن قراءته بحسب غانم من أكثر من زاوية. من الزاوية الأولى، يدل ذلك على أن الأسواق تتوقع إمكانية إطالة فترة الحرب، وهو ما يؤثر على ربحية الشركات، ويقلل قدرتها على توليد الإيرادات، ويضعف المركز المالي للشركات، وأيضًا على حجم السيولة المتاحة لديها.
من زاوية ثانية يمكن أن نرى أن استمرار الحرب تتفرة طويلة سيؤثر على تقييم قيمة أسهم الشركات مستقبلًا، انطلاقًا من معدلات الخصم الذي قد تضطر الشركات لإجرائها لاجرائها. وكلما ارتفعت معدلات الخصم، انخفضت قيمة الأسهم وتراجع تقييم الشركات في السوق. وتُقدَّر القيمة المستقبلية للسهم عن طريق قسمة العائد المتوقع للسهم على معدل الخصم، ما يعني أن أي زيادة في معدل الخصم تؤدي تلقائيًا إلى انخفاض القيمة المقدرة للسهم والشركة. ومع تزايد المخاطر الناتجة عن توسع الحرب وامتدادها لفترة أطول من المتوقع، يُرجّح أن تشهد أسعار الأسهم المزيد من الانخفاض. وقد يتراوح هذا الهبوط في المرحلة الأولى بين 10 و15%، وقد يصل إلى 30–35% إذا طال الصراع وتوسع. هذه المعدلات في انخفاض قيمة الأسهم لم تُسجّل مؤخرًا إلا أثناء جائحة كورونا في العام 2020، وقبلها أثناء الأزمة المالية العالمية في العام 2008.
الذهب على محك السيولة
الذهب، الذي يعتبر الملاذ الآمن في الأزمات، لم يشهد تهافتًا بالطلب، إذ ارتفعت الأسعار تسليم نيسان 2026 بنسبة 0.81%، أو ما يعادل 41.60 دولارًا، لتصل إلى 5165.30 دولارًا للأونصة. ويعود السبب، بحسب التحليل، إلى ما يعرف في الأسواق المالية بـ SWEEP LIQUIDITY، أي سحق أوامر الشراء خلف الموجة الصاعدة. فالسوق لا يتحرك فقط استجابةً لخبر شن الحرب في إيران أو الرد الإيراني، بل استجابةً لمواضع تمركز المتداولين.
وفي بيئة تداول تُدار عبر منصات كبرى مثل بورصة نيويورك التجارية ومجموعة CME، يصبح دفتر الأوامر خريطة طريق للسعر، وتتحول أماكن تراكم المراكز إلى أهداف محتملة للحركة التالية.
وبحسب غانم، فإن السعر العادل للذهب مقيم عند 5200 دولار للأونصة من دون حرب. ومع إضافة عنصر الحرب، ترتفع القيمة العادلة إلى 5800 دولار. من دون أن يعني ذلك الوصول إلى هذا السقف، برأي غانم؛ فمع ارتفاع الخسائر في الأسهم، سيحتاج المستثمرون إلى السيولة، ما قد يدفعهم إلى بيع عقود الذهب، فيخلقون عرضًا في السوق. وهذا يؤدي إلى تذبذب الأسعار من دون أن نشهد بالضرورة ارتفاعات حادة صعودًا أو نزولًا.
السندات اللبنانية
من أصل قائمة تضم 70 سندًا دليلاً، تظهر أن اليوروبوندز اللبنانية هي السندات الوحيدة المضاءة بالأخضر، ووصلت إلى حدود 29 سنتًا للدولار. فعلى الرغم من أن الحرب تؤثر على لبنان ضمن سياق النزاع الإقليمي، يتوقع المستثمرون المحترفون فرصة للتقدم ومسارًا للعودة إلى الانتعاش الاقتصادي. ولطالما شهدت أسعار هذه السندات ارتفاعات مع كل تصعيد تجاه إيران وحزب الله اللبناني، كما حدث في حرب الاثني عشر يومًا العام الماضي، وكأن المستثمرين يرون أن العائق أمام استعادة لبنان لعافيته وتحقيق الإصلاحات الاقتصادية هما طرفا النزاع.
ومن الأسباب التي تدفع إلى انتعاش أسعار سندات الدين اللبنانية بالعملة الأجنبية توقع المستثمرين دعمًا دوليًا للبنان، واحتمال ارتفاع قيمتها أكثر عند بدء عملية إعادة الهيكلة. وقد لا يعود سعر السند إلى معدلاته الطبيعية عند 100 دولار، إنما قد يتقلص معدل الخصم على السندات، ما يحقق ربحًا للمستثمرين.
وقد تدخل على خط السندات اللبنانية صناديق الاستثمار في الأصول المتعثّرة (Distressed Funds)، التي تستثمر في البلدان التي تواجه مشاكل اقتصادية وأمنية وسياسية كبيرة، وبدأت بوضع خطط وتطبيق إصلاحات للخروج من أزماتها. ومن غير المستبعد أن يكون ارتفاع أسعار السندات، الناتج عن زيادة الطلب، مدفوعًا جزئيًا بهذه الصناديق، على أمل ارتفاع الأسعار أكثر مستقبلاً وتحقيق أرباح.
في النهاية، يبقى كل شيء مرتبطًا بمدة الحرب وطريقة انتهائها، إلا أنه منذ الآن وحتى ذلك الحين، يُتوقع أن تكون الخسائر على دول المنطقة والعالم كبيرة جدًا.
