الجنوب اللبناني: تكرار سيناريو غزة أم منطقة اقتصادية عازلة؟

منطقة اقتصادية عازلة

يدل سياق الأحداث على أن ما قبل الأول من آذار 2026 لن يكون كما بعده بالنسبة لجنوب لبنان، وتحديدًا بالنسبة لمجموعة القرى المعروفة بالشريط الحدودي. فما سُرِّب منتصف العام الماضي عن سعي أمريكي لتحويل جزء من الشريط إلى منطقة اقتصادية عازلة بإسم ترمب، بالاتفاق السلمي، يُطبَّق اليوم بالحديد والنار.

التحضيرات الإسرائيلية على الحدود الشمالية تتجاوز الهدف المعلن بالقضاء على قدرة حزب الله العسكرية والمادية، لتطال الدخول برًّا حتى عمق 15 كلم. فالجيش الإسرائيلي أمطر خلال اليومين الماضيين قرى الجنوب بالإنذارات، داعيًا سكان كل البلدات والقرى الواقعة جنوب نهر الليطاني إلى التوجه فورًا إلى المناطق الواقعة شمال النهر. تزامن ذلك مع حشد أكثر من 100 ألف جندي على الحدود وإعادة نشر الفرقة 146. وتتكون هذه الفرقة من ألوية المشاة والمدرعات والمظليين والمدفعية والدعم اللوجستي، كما تضم عشرات الكتائب والوحدات القتالية المساندة. وعادة ما تُستدعى هذه الفرقة عند الاستعداد لهجوم بري. وكان قد سبق الحشد العسكري بأسابيع، رش اسرائيل مواد كيميائية سامة، وبنسبة تركيز مرتفعة بواسطة الطائرات، في خطوة تهدف للقضاء على الغطاء الحرجي والنباتي وتسميم التربة وجعلها غير صالحة للزارعة.  

التمهيد لإقامة المنطقة

بين الأعمال العسكرية والتهديم البيئي والضغط الأميركي، تمهد إسرائيل الطريق واسعًا لإنشاء منطقة اقتصادية عازلة. وهذه المنطقة لن تكون منزوعة السلاح فحسب، إنما غير مأهولة أيضًا، أو حتى قابلة للحياة. فإسرائيل، وإن كانت تعلم أن الاحتلال لن يستمر مهما طال، تهدف إلى حماية المنطقة الشمالية وإبعاد الأخطار عن مستوطناتها قدر المستطاع. وللوصول إلى هذه الغاية بعيدًا عن النقمة المحلية والدولية، تحوّل المنطقة العازلة إلى منطقة اقتصادية منتجة ومشتركة، تحظى بالدعم الفني الأميركي والعربي المادي.

حدود المنطقة الاقتصادية

معالجة المخاوف الأمنية الإسرائيلية في جنوب لبنان من دون الحاجة إلى احتلال، يمثل الهدف العريض لإنشاء مثل هذه المنطقة. و”هذا يستشف مما يصدر من تقارير ودراسات عن المراكز البحثية”، بحسب الخبير العسكري العميد المتقاعد ناجي ملاعب، إذ تشيرالتحاليل إلى نية الإسرائيليين إنشاء منطقة عازلة بين مستعمرة مسكاف عام الشمالية، ومنطقتي الخردلي والناقورة في القطاع الغربي اللبناني، بمساحة تتراوح بين 6 و10 كلم. وستكون هذه المنطقة، بحسب ملاعب، خالية من السكان والعسكر، والزراعة نتيجة رشها بالمبيدات من قبل إسرائيل. ومن غير المستبعد بالتالي تحويلها إلى المنطقة الاقتصادية التي جرى الحديث عنها.

ما يعزز نظرية إقامة منطقة اقتصادية عازلة في هذه الرقعة بالتحديد أمران أساسيان بحسب ملاعب:

  • الأول: انتهاء ولاية قوات حفظ السلام الدولية المنتشرة في هذه المنطقة مع نهاية العام الحالي، بعدما جرى التمديد لها لمدة عام ولمرة واحدة ونهائية.
  • الثاني: تشكيل الرئيس الأميركي “مجلس السلام العالمي”، الذي لن يقتصر دوره على إعمار غزة فحسب، بل يشمل أيضًا حفظ أمن إسرائيل. وما ينطبق على غزة سيمتد إلى لبنان وباقي المنطقة.

إزاء هذا الواقع، يمكن الاستنتاج أن مجلس السلام سيحل محل قوات حفظ السلام بأدوات تطبيق عسكرية، تتضمن على الأرجح ، كما في غزة، قوات جلبت من أذربيجان ودول أخرى مشابهة، لتأمين حدود إسرائيل الشمالية مع لبنان وسوريا، بالإضافة إلى أدوات اقتصادية، وفي مقدمتها المنطقة العازلة أو ما يعرف بـ Buffer Zone.

انتشار المناطق الاقتصادية وأهدافها

اعتماد نموذج المنطقة العازلة في لبنان لن يكون الأول من نوعه ولن يكون الأخير. فهذا النموذج معتمد في العديد من دول العالم المتجاورة بشكل عام، وبين إسرائيل والدول المجاورة لها بشكل خاص. ومن هذه المناطق يبرز:

  • مشروع بوابة الأردن الصناعية قرب جسر الشيخ حسين على الحدود الإسرائيلية.
  • المنطقة الاقتصادية في العقبة.
  • المنطقة بين إيلات وطابا.

تتشارك كل هذه المناطق في التصميم والأهداف. فهي مناطق صناعية غير مأهولة بالسكان، يتم استثمارها بشكل مشترك بين الدولتين، وتُعطى فيها حوافز جمركية كبيرة، حيث تُصدَّر منتجاتها إلى الولايات المتحدة الأميركية دون رسوم جمركية، كما أنها تساعد على خلق آلاف فرص العمل.

مصير السكان

المنطقة الاقتصادية في لبنان، التي لم تلقَ الترحيب عند طرحها كفكرة، من المرجح أن تصبح أمرًا واقعًا وبندًا أساسيًا على جدول المفاوضات المستقبلية بين لبنان وإسرائيل. وما لم تستطع إسرائيل تحقيقه بالحسنى خلال الفترة الماضية ستفرضه بالقوة بعد انتهاء الحرب الحالية. أما بالنسبة إلى سكان هذه المناطق، فيشير  ملاعب إلى إمكان اعتماد أحد حلين: إما توظيفهم في المنطقة الاقتصادية، كلٌّ في اختصاصه، وإما إعطاؤهم تعويضات مادية.

ولا يستبعد ملاعب أيضًا إمكانية إعادة اعتماد صيغة استيعابية جرى العمل بها قبل عام 1976 في الجنوب، وتحديدًا تحت مسمى “أنصار الجيش”. وتتكون هذه الفرقة الأمنية من أبناء المناطق الحدودية، وتُعطى رواتب شهرية بهدف الإنذار والتحذير عند وقوع الأخطار وحماية الأرض، ويكون لها مخافر متقدمة.

صحيح أن تحويل المنطقة العازلة إلى منطقة اقتصادية يُعد طرحًا متقدمًا جدًا، إلا أن الخشية اليوم تكمن في تكرار سيناريو غزة في الكرّ والفرّ عبر الإنذارات الجماعية. فالدعوات لإخلاء بعض القرى قد تتحول إلى دعوات جماعية، وقد يتجاوز نطاقها شمال الليطاني وصولًا إلى الأولي. مع ما يحمله هذا “الترانسفير” البشري من أكلاف مادية وأخطار أمنية وسوء اوضاع اقتصادية.