استقرار الليرة قد ينقلب كابوسًا في ليل الحرب الطويل

الليرة

نأى سعر صرف الليرة اللبنانية بنفسه عن شرارات حرائق الحرب الإيرانية، التي “لذعت” العديد من عملات دول المنطقة. فاستمر تبادلها في الأسواق عند متوسط 89500 ليرة مقابل الدولار. إلا أن هذا الثبات المصطنع لا يعني بالضرورة أنه عامل صحي للاقتصاد، وهو لا يأتي من دون كلفة ستظهر بشكل واضح في الميزانية نصف الشهرية لمصرف لبنان بعد أيام قليلة.

حتى نهاية شباط الماضي، أظهرت الميزانية نصف الشهرية لمصرف لبنان مجموعة من المتغيرات. فتراجع احتياطي العملة الأجنبية بنحو 200 مليون دولار، من 12073 مليون دولار في منتصف شباط إلى 11877 مليون دولار في نهايته. وارتفعت الكتلة النقدية المتداولة إلى 69534 مليار ليرة، مقارنة مع 68845 مليار ليرة في منتصف شباط. لكن في المقابل ارتفعت ودائع القطاع العام من 9166 مليون دولار إلى 9212 مليون دولار.

تغيّر المعادلة

هذه المتغيرات البسيطة، التي تمثل “بيضة القبّان” بالنسبة لسعر الصرف، قد لا تستأهل التوقف عندها لولا توريط لبنان في الحرب على إيران بعد ساعات من صدورها. ففي 2 آذار أطلق حزب الله صواريخ وطائرات مسيّرة من لبنان نحو شمال إسرائيل، انتقامًا من اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي. وبعد ذلك فتحت إسرائيل حربًا شرسة تسببت، لغاية الآن، بدمار هائل في العمران والبنى التحتية في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية. وأدت إلى نزوح أكثر من 700 ألف شخص، بحسب الأمم المتحدة. كما عطلت السياحة، وزادت الضغط على مختلف المرافق التجارية والصناعية، وهددت بتراجع الإيرادات العامة، وبروزح لبنان مجددًا تحت انكماش اقتصادي بنسبة تتجاوز 5 في المئة.

التصعيد بين إسرائيل وحزب الله، الذي تحول إلى حرب مفتوحة، ينذر بتبدّلات جذرية في المؤشرات الماكرو-اقتصادية. ومن المتوقع أن تتراجع احتياطيات النقد الأجنبي وودائع القطاع العام في مصرف لبنان، وأن تتوسع الكتلة النقدية بالليرة مع صدور الميزانية نصف الشهرية في منتصف آذار. ومن شأن هذه العوامل زيادة الضغط على سعر الصرف وتقليص قدرة مصرف لبنان على التدخل في سوق القطع لضمان الاستقرار النقدي، وبالتالي التهديد بالمزيد من التراجع في القدرة الشرائية للرواتب والأجور المقومة بالليرة اللبنانية، وسط حالة من التضخم المتفاقم.

تركيا ومصر مثالان

التداعيات النقدية للحرب الإقليمية، وما سببته من ارتفاع في أسعار المحروقات وأكلاف النقل والتأمين، ارتدت سلبًا على كل المنتجات. وليست تفصيلًا بسيطًا يمكن أن يواجهه لبنان المثقل بالأزمات بأريحية. فالمصرف المركزي التركي اضطر إلى التدخل في السوق ببيع نحو 23 مليار دولار من العملات الأجنبية منذ بداية النزاع، لتخفيف آثار الاضطرابات الإقليمية على السوق المحلية. ويُقدّر المصرفيون أن إجمالي احتياطيات البنك المركزي انخفض على الأرجح بمقدار 12.5 مليار دولار ليصل إلى 197.5 مليار دولار الأسبوع الماضي، ما يعكس تأثير مبيعات العملات الأجنبية خلال فترة النزاع. أما في مصر فقد تراجع الجنيه مقابل الدولار إلى نحو 53 جنيهًا، من 47 جنيهًا قبل بدء النزاع. وارتفع معدل التضخم في مصر في شهر شباط الماضي إلى 13.4% على أساس سنوي، وسط زيادة أسعار عدد من السلع الغذائية.

وضع الليرة

خلافًا لبقية الدول، فإن العملة الوطنية فقدت أساسًا 98 في المئة من قيمتها، ولم تعد تتداول بعد الانهيار إلا لـ”الفكة”، وسط ارتفاع نسبة الدولرة إلى أكثر من 95 في المئة. وإذا كان “الغريق لا يخشى البلل”، على حد قول المثل المأثور، فإن تداعيات فقدان الليرة المزيد من قيمتها لن يكون لها التأثير الكبير، حتى على رواتب القطاع العام، حيث من الممكن أن تعود الحكومة إلى تسديدها بالدولار كما فعلت في فترة سابقة، للحؤول دون تضخيم الكتلة النقدية بالليرة. ويساعد على ذلك أن مجمل الكتلة النقدية بالليرة لا يشكل إلا نحو 6 في المئة من حجم احتياطيات العملة الأجنبية في مصرف لبنان، وامتلاك الدولة احتياطيات تفوق 9 مليارات دولار، ما بين 20 و30 في المئة منها بالعملة الأجنبية.

ضغط الصعوبات الاقتصادية

التطمينات النقدية بعدم تأثر سعر الصرف يقابلها مخاطر اقتصادية قد لا تهوي بسعر الصرف فحسب، إنما بالاقتصاد ككل، ولا سيما إذا استمرت الحرب طويلًا. وهذه المخاطر ستحد من إمكانية التدخل لمعالجة الفجوة المالية، والخروج من الاقتصاد النقدي، ومكافحة التضخم، والحد من ارتفاع البطالة.

الاستقرار الاقتصادي المعطوف على النقدي الذي عاشه لبنان خلال العام 2025 كان مرده إلى تحقيق فائض في الموازنة أدى إلى فائض قارب 4 مليارات دولار في ميزان المدفوعات، رغم العجز التجاري الكبير. وهذا الفائض في الموازنة لم يكن ليتحقق لو لم تتبع الدولة سياسة تقشفية، وتزيد نسب التحصيل الضريبي، ويتوقف إعطاء السلفات وطباعة الليرات. وفي حال عادت للإنفاق، وستعود، لتلبية المتطلبات المستجدة الناجمة عن الحرب من إيواء وإصلاح الدمار، وسط تراجع المساعدات الدولية، فإن المعادلة ستنقلب رأسًا على عقب. وسيعود العجز في الموازنة ليتسبب بعجز في ميزان المدفوعات، وستضطر الدولة إلى طباعة الليرات والاستلاف من مصرف لبنان، ولا سيما أن كتلة الرواتب بالليرة للقطاع العام تبلغ 3 مليارات دولار سنويًا. وقد زادتها الحكومة ستة أضعاف مؤخرًا من خارج موازنة العام 2026.

ومن الممكن القول إن استقرار سعر الصرف مرتبط بثلاثة عناصر أساسية: مدى الحرب الزمني، حجم الأضرار، ومقدار المساعدات التي قد يتلقاها لبنان. وفي حال سارت هذه المتغيرات بعكس ما تشتهي سفينة الاقتصاد اللبناني، فإن انهيار سعر الصرف سيكون محتمًا.

الحل بمجلس النقد

تراجع سعر الصرف يبقى احتمالًا واردًا مهما نفته المؤشرات الاقتصادية والنقدية. وللحؤول دون هذا التراجع، الذي سينعكس حتمًا على القدرة الشرائية لثلث الشعب اللبناني على الأقل، لا بد من اعتماد لبنان سياسة نقدية تقوم على “مجلس تثبيت سعر القطع (Currency Board)”، المتعارف على تسميته “مجلس النقد“، برأي الباحثة في الاقتصاد النقدي د. ليال منصور. فهذا المجلس لا يمثل فقط حلًا لأزمة العملة التي جرى حل أزمتها de facto من خلال ارتفاع نسبة الدولرة، إنما أيضًا لأن مجلس النقد يفرض الثقة العالمية، ما يسمح بإعادة إحياء القطاع المصرفي على نحو سليم، ويسهل دخول مصارف جدية، ويعزز تدفق المساعدات وتحويل الأموال.

الاستقرار الهش الذي تشهده الليرة قد يتحول إلى كابوس في أي لحظة. فليل الحرب طويل، وظلماته ستمتد إلى إمكانية تراجع التدفقات النقدية من المغتربين الذين يعملون في الدول العربية، وتراجع المردود السياحي، وفقدان شبه كامل للاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة. ومن الحكمة تدارك خطورة ما يتهدد سعر الصرف قبل وقوع المشكلة.