الناتج المحلي الإجمالي يدخل “اوكتاغون” الصراع بـ “قفازات” من قماش

الناتج المحلي

رُمي لبنان باقتصاده وشعبه و الناتج المحلي في قفص “الأوكتاغون” (The Octagon)، حيث ينازل الغرب إيران في لعبة أشبه ما تكون بـ الفنون القتالية المختلطة (MMA). وبدلاً من أن يحافظ على مسافة آمنة للتقليل من الإصابات قدر الإمكان، انخرط في اللعبة بشكل أعمى. الضربات المتتالية على جسده الأعزل أفقدت حامل شعار الأرز توازنه، وحرمتنا حتى الساعة من معرفة الإجابة: هل من أدخلوه الحلبة يعرفون أن باب الخروج من القفص لا يسع الفريقين، وأن أحدهما سيبقى ممدداً على أرض الحلبة بالضربة القاضية أو بالاستسلام؟ إن كانوا يعون الجواب فالمشكلة كبيرة، وإن كانوا يجهلونه فالمشكلة أكبر.

أولى الكدمات بدأت تظهر على الناتج المحلي الإجمالي، الذي سبق أن أصيب بضرر بليغ في حرب 2024. وقبل أن يتعافى، ولو بشكل بسيط، عاد النزيف سريعاً إلى هذا الجرح المفتوح، إذ تشير التوقعات إلى أن الخسارة في الناتج ستبلغ 1.35 مليار دولار في آذار الحالي، وقد ترتفع إلى 16 مليار دولار إذا استمرت الحرب حتى نهاية العام.

العودة إلى شهري أيلول وتشرين الأول 2024

التقديرات بناها فريق الأبحاث الاقتصادية في “بلوم إنفست” انطلاقًا من أرقام البنك الدولي عن الضرر الذي لحق بالناتج المحلي الإجمالي في نهاية عام 2024. فقبل وقف إطلاق النار في 27 تشرين من ذلك العام، شهد شهرا أيلول وتشرين الأول أكبر موجة تصعيد، إذ لم تعد العمليات مقتصرة على جنوب لبنان، بل طالت بيروت والشمال والبقاع بشكل مكثف، وترافقت مع اغتيالات نوعية واجتياح بري في جنوب لبنان واحتلال العديد من النقاط. وبحسب البنك الدولي، تراجع الناتج خلال هذين الشهرين بنسبة 8 في المئة، أي ما يعادل 4 في المئة لكل شهر منهما.

ما يحصل منذ بداية آذار الحالي من قصف وتهجير واغتيالات واجتياح يشبه، بتداعياته، ما حصل خلال شهري أيلول وتشرين الأول قبل عامين. وهو الأمر الذي يجعل من هذين الشهرين نقطة انطلاق يمكن البناء عليها لتقدير الناتج المحلي، مع فارق جوهري أساسي: كان من المتوقع، بحسب البنك الدولي، أن يحقق الناتج نمواً بمقدار 3 مليارات دولار في العام 2026، ليرتفع بنسبة 10 في المئة إلى 33.5 مليار دولار، بعد أن كان 30.5 مليار دولار في العام 2025.

كم سيبلغ التراجع؟

وعليه، فإن تراجع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4 في المئة خلال آذار، بحسب أحسن التوقعات، وفقدانه 750 مليون دولار من عدم تحقيق نمو سنوي قدره 3 مليارات دولار، سيرفعان خسارة الاقتصاد في شهر آذار إلى 1.33 مليار دولار، بحسب تحليل فريق الأبحاث، وذلك انطلاقًا من المعادلة التالية:

31 مليار دولار × 0.035 + 0.25 مليار دولار = 1.08 مليار دولار + 0.25 مليار دولار = 1.33 مليار دولار. (كان الناتج المحلي الإجمالي سيبلغ 31 مليار دولار (0.25 مليار دولار لكل شهر)؛ و31.25 مليار دولار في آذار ).

تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من أن انخفاض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي سيبلغ -4%، فإن معامل انكماش الناتج المحلي الإجمالي كان سيرتفع بنسبة 0.5% إلى 6 في المئة . ومن المعروف أن معامل انكماش الناتج المحلي الإجمالي (GDP Deflator) هو مؤشر يقيس تغيّر مستوى الأسعار في الاقتصاد ككل، أي كم ارتفعت أو انخفضت أسعار السلع والخدمات المنتجة محليًا. وهو يوضح الفرق بين الناتج الاسمي والناتج الحقيقي. مما يجعل انخفاض الناتج المحلي الإجمالي الاسمي بمعدل -3.5% في آذار 2026.

في جميع الحالات، فإن الناتج المتوقع تحقيقه في عام 2026 كان ليكون الجزء الأكبر منه اسميًا وغير حقيقي، فحوالي 1.8 مليار دولار من الزيادة في الناتج ستكون نتيجة ارتفاع الأسعار والتضخم، في حين أن 1.2 مليار دولار فقط ستكون حقيقية، أي ناتجة عن زيادة الإنتاج بعد إزالة تأثير الأسعار.

بغض النظر إن أم لم تصح التوقعات فإن الناتج سيتراجع الأكيد، والخلاف سيكون على مقدرا هذا الانخفاض ولاسيما في ظل عدم وجود اراقام دقيقة ونهائية يمن الارتكاز عليها. ولعل الاخطر هو أه كلما كان تقييم الناتج اكبر حيث قدرت وزارة لمالية أن يتجاوز 38 مليار دولار هذا العام ستكون الخسارة أكبر.

ما سيحل بالناتج المحلي الإجمالي ليس تفصيلاً بسيطًا، بل نكسة ستعيد الاقتصاد إلى ما قبل العام 2024. ولا سيما أنه أقحم الحرب بقفازات من قماش، فيما يضع الفريقان كل أنواع الدروع. هذا عدا عن أن فقدان الناتج لنحو 50 في المئة من قيمته سيقوض كل جهود الإصلاح، وفي مقدمتها تحقيق فائض في الموازنة العامة، وإتمام الإصلاح المالي، واستعادة الودائع.