تطور نظام النقد الدولي: من القاعدة الذهبية إلى “مجمّع الذهب”

الذهب

يتشكّل نظام النقد الدولي من مجموعةُ المؤسسات والاتفاقيات وقواعد التصرف التي ترعى تنظيم التبادل الدولي. ولا يكون هناك وجود لنظام نقد دولي إلا عند الانتقال من تكرار معاملات ثنائية صرف إلى بنية علاقات متعددة الأطراف تنطوي على إجماع مختلف المشاركين.
قبل الحرب العالمية الأولى كانت العلاقات المالية والنقدية الدولية مبنية من حيث المبدأ على نظام قاعدة الذهب الذي أولى هذا المعدن مهمة مزدوجة، كعملة احتياط وكأداة تسوية لأرصدة موازين المدفوعات للدول. وقد أوقفت تداعيات الحرب العالمية الأولى العمل بهذه القاعدة مؤقتاً على أمل تفعيلها لاحقا.
وبسبب الإفقار النسبي للدول الأوروبية وظهور القوة الأميركية تم استبدال قاعد الذهب بنظام الاستبدال بالذهب، الذي أتاح لبعض العملات المخصصة ان تلعب دوراً مهماً كأدوات لتكوين احتياطيات دولية وعلى رأسها الليرة الاسترلينية والدولار؛ غير أن تجربة معيار الصرف بالذهب (Gold Exchange Standard) الأولى هذه لم تصمد أمام الأزمة الكبرى التي نتج عنها انخفاض قيمةِ الإسترليني عام ١٩٣١ و الدولار عام ١٩٣٣.هو نظام نقدي دولي، ساد بشكل رئيسي خلال فترة ما بين الحربين العالميتين، حيث كانت ترتبط فيه عملة الدولة بعملة دولة أخرى قابلة للتحويل إلى ذهب، وليس بالذهب مباشرة؛ ووفر مرونة أكبر في العرض النقدي مقارنة بقاعدة الذهب التقليدية.
بنهاية الحرب العالمية الثانية أرسي مؤتمر Bretton Woods قواعد نظام نقدي دولي جديد عاد إلى قاعدة الذهب (etalon de change d’or)، مدعوماً بإنشاء مؤسسات دولية على مستوى صندوق النقد الدولي FMI)) وبقوة الدولار كعملة احتياط دولية أولى.
استمرّ اداء هذا النظام جيداً نسبياً خلال مرحلة إعادة إعمار أوروبا، بالتزامن مع تحقيق فائض كبير في ميزان المدفوعات الأميركي. وقد بدأت مؤشرات الضعف الاولى تظهر من خلال الفجوة الدولارية (Dollar Gap) المتمثلة بفارق بين التزامات المصارف بالدولار وبين ما تملكه فعلياً من سيولة وأصول، كحال الفجوة الجاري البحث عن معالجتها منذ سنوات في لبنان. وهي تمثل خسائر بعشرات مليارات الدولارات الناتجة عن تمويل الدولة ونظام نقدي غير مستدام، مما أدى لتعذر سحب الودائع بقيمتها الحقيقية. وقد أدى ذلك إلى إفساد ظروف عمل هذا النظام وإلى تعذّر استعادة الدول الاوروبية قوتها الاقتصادية والمالية، وتحقيق فوائض كبيرة في الميزان التجاري الأميركي، وعودة الحرية إلى حركة رؤوس الأموال والمضاربة.
على الرغم من المعالجات المسكنة لتثبيت هذا النظام، فقد بدأت مؤشرات التفكك والانهيار تتراكم اعتباراً من السنوات بدءا من ١٩٦٥. وتمثلت بأزمة الإسترليني عام ١٩٦٧، وبالحصار على الذهب الذي قررته الولايات المتحدة الاميركية عام ١٩٦٨، وبنشوء سوق المعادن المزدوج، وتغيرات أسعار الصرف بين العملات الأوروبية في ما بينها خلال العام ١٩٦٩، وارتسام معالم اندلاع أزمة نقدية دولية مع تفكك النظام الذي كان ضحية الإعلان عن فك الارتباط بين الدولار والذهب ووقف تحويله، الذي أعلن عنه عام ١٩٧١، حيث حلت الفوضى في العلاقات النقدية الدولية المبنية على قاعدة “الدولار بدون معيار “dollar sans etalon”، بحيث حالت عدة عوامل دون صمود أية تدابير مستحدثة لتبادل العملات: تغيرات أسعار تبادل العملات ونشوء سوق مزدوج لأسعار الصرف، اعتماد سعر الصرف العائم، والتي أدت إلى مزيد من ردود الفعل الدفاعية المتباينة وغير المنسقة. وقد باتت إعادة بناء نظام نقدي دولي قابل للعيش بنداً دائماً على جدول أعمال الدول، واتفق المعنيون على وجوب أن تبنى أسس العلاقات النقدية الدولية على نظام لأسعار الصرف بين العملات يكون ثابتاً وقابلاً للضبط والتعديل، ومبنياً على نظام يولي دوراً مؤثراً لهيئة دولية ذات سلطة تأثير هي صندوق النقد (FMI)، والبحث عن تطوير دور لعملة تلقى قبولاً دولياً لتكون بالفعل عملة دولية، وتكون مختلفة عن العملات الوطنية، ومبنية على التوازن بين واجبات الدول المنتسبة إلى النظام وحقوقها.
فيما يتميز نظام القاعدة الذهبية بقدرته على تثبيت سعر الصرف وحصر تقلباته ضمن حدود ضيقة، تجنباً للتقلبات العنيفة التي من شأنها إحداث اضطرابات هامة في التجارة الخارجية، يفرض صندوق النقد الدولي على الدول الأعضاء المحافظة على سعر صرف مستقرّ ضمن تقلبات محدودة، فقد بقيت هناك اختلافات كبيرة حول دور الذهب، وحول شروط وآليات تصحيح العلاقة بين أسعار العملات وتنظيم حركة الأموال على المدى القصير. غير أن الجهود المبذولة لتجاوز الصعوبات وإرساء نظام جديد متماسك لم تصل إلى نتيجة. وما تم فقط كان مجرد اعتماد تدابير اانتقالية مرحلية، إلى أن أقرت اتفاقيات جامايكا خلال العام ١٩٧٦ تطبيقات العمل بسعر الصرف العائم؛ وبالمقابل تمت زيادة حصص الدول المنتسبة إلى صندوق النقد الدولي، وبالتالي زيادة قدرة هذا الصندوق على التدخل. وألغي أي ربط بالذهب وجرت تصفية مخزون صندوق النقد الدولي من الذهب تدريجياً، بحيث تقرر، ولأول مرة، إعادة سدس إلى الدول الأعضاء بالتناسب مع مساهماتهم، وسدس آخر جرى بيعه لتمويل صندوق نقود ائتمانية لمساعدة الدول النامية.

وبانتظار إرساء الشروط الخاصة بتعريف نظام جديد منظم استمرّت الأزمة بالتردد بين استراحة وقفز، مثقلة بالمخاطر على مستويي التبادل الدولي والنمو الاقتصادي.

ماذا عن التجربة اللبنانية في ظل هذه التطورات ؟
انسجاماً مع نظام القاعدة الذهبية القديم، الذي كان سائداً خلال ستينات القرن الماضي، وكان يكفل تبديل النقد بالذهب، على أساس سعر قانوني بين الوحدة النقدية وبين معدن الذهب. وحيث أنه بالعودة إلى قانون النقد والتسليف اللبناني المنفذ بالمرسوم رقم 13513 /1963، يتبين أن المادة الثانية منه تنص على أن يحدد قيمة الليرة اللبناني بالذهب الخالص. وتوجب المادة 69 منه على المصرف المكزي ان يبقي في موجوداته أموالاً من الذهب ومن العملات الاجنبية التي تضمن سلامة تغطية النقد اللبناني توازي ثلاثين بالمئة على الاقل من قيمة النقد الذي اصدره وقيمة ودائعه تحت الطلب،على ان لا تقل نسبة الذهب والعملات المذكورة عن خمسين بالمئة من قيمة النقد المصدّر، وأن لا تؤخذ موجودات المصرف من النقد اللبناني بعين الاعتبار لحساب النسبتين المحددتين في الفقرة السابقة. وتقتضي المادة 114 على أن تقيد موجودات المصرف من ذهب وعملات اجنبية في محاسبته بما يوازي قيمتها بالسعر القانوني لليرة اللبنانية. أما المادة 229 فقد نصت على أن يتخذ وزير المالية الاجراءات الانتقالية التالية التي تدخل حيز التنفيذ بالتواريخ التي سيحددها، وريثما يحدد بالذهب سعر جديد لليرة اللبنانية بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي وريثما يثبت هذا السعر بموجب قانون وفقا للمادة الثانية المذكورة أعلاه. أما المادة 229 الأوسع فقد نصت على:
1. يعتمد لليرة اللبنانية، بالنسبة للدولار الاميركي المحدد ب 0,888681 غرام ذهب خالص، سعر قطع حقيقي أقرب ما يكون من سعر السوق الحرة يكون هو “السعر الانتقالي القانوني” لليرة اللبنانية.
2. يقيّد عنصر الذهب في تغطية الاوراق النقدية المصدرة من قبل مؤسسة الاصدار الحالية على اساس “السعر الانتقالي القانوني”.
3. ان الفروق بين، من جهة، ما يوازي، بالسعر الانتقالي، الذهب الداخل في التغطية والعملات الأجنبية التي قد تكون داخلة فيها، ومن جهة اخرى،السعر الفعلي لهذا الذهب وهذه العملات، تبقى خاضعة لاحكام المرسوم رقم K/15105 تاريخ 27 ايار سنة 1949 إلى ان تتحول هذه العناصر الى المصرف المركزي. اعتبارا من تاريخ هذا التحويل تخضع العناصر الآنفة الذكر مع موجودات المصرف المركزي الأخرى من ذهب وعملات أجنبية لاحكام المادة 115.
4. تحسب على أساس “السعر الانتقالي القانوني” الضرائب والرسوم التي تستوفى عن المبالغ المحررة بالعملات الاجنبية والتي تحسب حاليا على اساس السعر المحدد بالمادة الاولى من قانون 24 ايار سنة 1949.
يجب الا يؤدي تطبيق معدل التحويل الجديد الى اية زيادة على الضرائب والرسوم المستوفاة عن مبالغ محررة بالعملات الاجنبية، يحدد وزير المالية، بقرارات، الطرق الكفيلة بتأمين هذا المبدأ.
5. إن العملات الاجنبية التي تستوفيها الدولة تدخل في المحاسبة بالسعر الانتقالي القانوني.
6. تعدّل بالنسبة الى السعر الانتقالي القانوني نفقات الدولة الخارجية المحددة بالليرات اللبنانية وتحول من الان فصاعدا بسعر السوق الحرة.
تطبيقاً لأحكام المادة 229 المذكورة، أصدر وزير المالية بتاريخ 30/ 12/ 1964 القرار رقم 4800/ 1. وحدد السعر الانتقالي لليرة اللبنانية بـ 308 قروش للدولار الواحد، وذلك اعتباراً من أول كانون الثاني 1965، واستناداً إلى متوسط أسعار الصرف، خاصة خلال السنتين الأخيرتين وإلى تطورها المرتقب.

غسان بيضون مدير عام الاستثمار السابق في وزارة الطاقة والمياه

خبير لدى المعهد اللبناني لدراسات السوق