تُمثّل الحرب الدائرة في منطقة الخليج عاملاً ضاغطاً متعدد الأبعاد على الاقتصادات الإقليمية، إذ امتدت تداعياتها لتشمل أسواق النفط والذهب والعملات الرقمية والأسواق المالية الدولية، فضلاً عن انعكاساتها المباشرة على الاقتصاد اللبناني.
أولاً: أسواق النفط والاستراتيجية الإيرانية
يُشكّل النفط محوراً استراتيجياً في هذا الصراع؛ فمنذ اليوم الأول للمواجهة، ركّزت الولايات المتحدة وإسرائيل جهودهما على الأهداف العسكرية والسياسية الإيرانية، في حين وجّهت إيران اهتمامها بشكل رئيسي نحو الضغط على أسعار النفط العالمية، مدركةً أن الميزان العسكري لا يميل لصالحها. وقد ارتفع سعر برميل النفط من نحو ستين دولاراً قبيل اندلاع الحرب، ليبلغ ذروته عند حدود مئة وسبعة عشر دولاراً، قبل أن يتراجع إلى مستوى المئة دولار في أعقاب المفاوضات المرتقبة.
تتّسم أسواق النفط بارتباطها الوثيق بالتوقعات المستقبلية لا بالوقائع الآنية؛ فإذا توقّعت الأسواق تصعيداً في النزاع وشُحّاً في الإمدادات، ارتفعت الأسعار، وإذا رجّحت تسوية وشيكة، انخفضت. وقد عملت الإدارة الأمريكية على تحييد الورقة الاقتصادية الإيرانية عبر إفراج وكالة الطاقة الدولية عن أربعمئة مليون برميل، ورفع العقوبات المفروضة على الصادرات الروسية والصينية، مما وفّر ما يعادل شهراً كاملاً من صادرات مضيق هرمز البالغة عشرين مليون برميل يومياً.
ثانياً: تراجع الذهب وإعادة توزيع المحافظ الاستثمارية
خالف الذهب التوقعات المعتادة في أوقات التوترات الجيوسياسية، إذ شهد انخفاضاً ملحوظاً بعد أن كان قد قفز من نحو ألفَي دولار في مطلع عام ألفين وأربعة وعشرين إلى ما يزيد على خمسة وأربعمئة دولار. ويعود هذا التراجع إلى إعادة توزيع المحافظ الاستثمارية؛ إذ لجأ المستثمرون إلى تصفية مراكزهم الذهبية وتوجيه العائدات نحو شراء عقود النفط الآجلة المتوقع ارتفاع أسعارها، إلى جانب الإقبال المتزايد على سندات الخزينة الأمريكية التي ارتفع عائدها من نصف بالمئة إلى أربعة ونصف بالمئة.
تجدر الإشارة إلى أن ارتفاع الذهب الذي سبق الحرب كان مرتبطاً بحالة عدم اليقين الجيوسياسي الشامل، والتوترات التجارية مع الصين وفنزويلا والخليج، والخلاف القائم بين الإدارة الأمريكية ومجلس الاحتياطي الفيدرالي حول سياسة أسعار الفائدة.
ثالثاً: البيتكوين بين الملاذ الآمن والأصل المضارب
تراجعت قيمة البيتكوين من مئة وعشرين ألف دولار إلى نحو خمسة وستين أو سبعين ألف دولار، كاشفةً عن طبيعته الحقيقية بوصفه أصلاً مضارباً يُشبه أسهم شركات التكنولوجيا لا مخزناً آمناً للثروة على غرار الذهب. غير أن قيمة البيتكوين لا تكمن فقط في جانبه الاستثماري المتقلّب، بل في قدرته على تحقيق تحويلات مالية مباشرة وسريعة بين الأفراد بعيداً عن الوسطاء المصرفيين، مما يجعله أداة لا غنى عنها للناشطين الحقوقيين والمعارضين السياسيين في البلدان التي تعاني من ضوابط رأس المال أو شلل مصرفي.
رابعاً: مخاطر الركود التضخمي والسياسة النقدية الأمريكية
يستدعي التضخم الذي تشهده الاقتصادات الغربية تحليلاً دقيقاً؛ فجزء كبير منه نتاج السياسات النقدية التوسعية التي انتهجتها الدول الغربية عبر ضخ كميات ضخمة من السيولة في الأسواق. وإن أُضيف إليه تضخم نفطي، تضاعف العبء على المستهلك الغربي.
تسعى إدارة ترامب إلى خفض أسعار الفائدة لتحفيز النمو ودعم أسواق المال، متجاهلةً مخاطر التضخم الناجمة عن ذلك. بيد أن الخفض المتواصل للفائدة على المدى البعيد ينطوي على خطر “الركود التضخمي”، أي تراجع النمو في ظل تضخم مرتفع، ذلك السيناريو الذي أشعل مخاوف المستثمرين ودفع أسعار الذهب نحو الارتفاع قبيل اندلاع الأزمة.
خامساً: دول الخليج بين الفرصة والكلفة
تتباين تداعيات الحرب على دول الخليج تبايناً واضحاً؛ فالمملكة العربية العربية السعودية هي الأقل تضرراً، نظراً لامتلاكها خط أنابيب مستقلاً يتجاوز مضيق هرمز ويصل إلى البحر الأحمر. أما الإمارات فتعاني من استهداف إيراني متكرر لخط أنابيب الفجيرة الذي يربطها بخليج عُمان. وتبقى كلٌّ من قطر والكويت والعراق محاصَرةً في نطاق المضيق دون مسالك بديلة.
يتجاوز الضرر الحقيقي الذي تكبّدته دول الخليج الأثر المباشر على صادرات النفط؛ فالأشد وطأة هو تآكل صورتها بوصفها وجهات آمنة ومفتوحة للأعمال، وهي الصورة التي أمضت سنوات طويلة في بنائها عبر البنية التحتية المتطورة والبيئة الاستثمارية المشجّعة والضرائب المنخفضة. ويُرجَّح أن يتردد المستثمرون والسياح في التوجّه نحو المنطقة في المدى القريب.
سادساً: التداعيات على لبنان
يتعرّض لبنان لضغوط اقتصادية مركّبة، تتشابك فيها التأثيرات المحلية والإقليمية. فحتى في غياب انخراط مباشر للبنان في الحرب، فإن ارتفاع أسعار النفط العالمية يضرب قطاع الطاقة في الصميم، لا سيما أن الكهرباء تُنتَج عبر مولّدات تعمل بالمازوت المستورد من تركيا واليونان ومنطقة شرق البحر المتوسط. ويُفاقم من ذلك ارتفاع تكاليف الشحن البحري والتأمين، في بلد يستورد كامل احتياجاته تقريباً من الغذاء والسلع.
تنعكس الحرب بشكل حاد على قطاع السياحة الذي يُدرّ للبنان ما بين ستة ونصف إلى سبعة مليارات دولار سنوياً. وكانت التوقعات تُشير إلى نموٍّ اقتصادي بنحو أربعة ونصف بالمئة، غير أن استمرار الحرب يُهدد بتحويل هذا النمو إلى معدلات سلبية. ذلك لأن القطاع السياحي يُشكّل محرك الاقتصاد اللبناني بامتياز؛ فالإنفاق السياحي يتدفق إلى قطاعات المطاعم والتجزئة والتعليم والنقل والعقارات، وإيقاف هذا التدفق يعني تعطّل الاقتصاد برمّته.
علاوةً على ذلك، فقد مصرف لبنان نحو مئتَي مليون دولار من احتياطياته بالعملات الأجنبية خلال الأسابيع القليلة الأولى من الحرب، جراء لجوء المواطنين إلى تحويل ليراتهم إلى دولارات خشيةً من تراجع العملة الوطنية. وقد انعكس ذلك مباشرةً على المبالغ المرصودة لسداد حقوق المودعين وفق قانون الفجوة المالية.
سابعاً: نحو إصلاح مالي حقيقي
يبقى مجلس النقد “كارنسي بورد” الحل الأمثل لاستعادة الثقة بالاستقرار النقدي اللبناني، إذ يضمن ربط الليرة بالدولار ربطاً كاملاً بما يعادل الاحتياطيات، ويُجسّد ضمانة مؤسسية لا تقوم على ثقة شخصية بحاكم المصرف بل على نظام هيكلي واضح. وهذا النهج كان كفيلاً بتفادي خسارة المئتَي مليون دولار التي تكبّدها لبنان في ظل الوضع الراهن.
يظل الإصلاح الاقتصادي الشرط الضروري لاستعادة ثقة المجتمع الدولي وانجذاب التمويل الخارجي، إلى جانب المعالجة الجادة لملف السلاح. فمعاً، وليس أيٌّ منهما منفرداً، يُشكّلان المدخل الوحيد لإعادة اندماج لبنان في المنظومة الاقتصادية الإقليمية والدولية.