انعدام الأمن الغذائي يضع نصف اللبنانيين في دائرة الجوع.. والسياسات نفسها تُبقيهم عالقين فيها

الأمن الغذائي

بين نيسان وتموز 2026، يتوقع التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) أن ترتفع نسبة الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد إلى 18% من مجمل المقيمين في لبنان. نحو 961 ألف شخص قد لا يجدون ما يأكلونه؛ وإن وجدوا، فالغذاء لن يكون غير مطابق للمواصفات فحسب، إنما فاقدًا للعناصر الغذائية الأساسية لتوفير النمو الصحي.

التقديرات، على فداحتها، ستكون أرحم من الواقع الفعلي الذي سيواجه المقيمون خلال هذه الفترة. فهي صدرت قبل توسع الحرب في الثاني من آذار، وبُنيت على محدودية جهود إعادة الإعمار، والتوقع باستمرار الحوادث المتفرقة في أقضية الجنوب. وعليه، قُدِّر أن تشهد النبطية وصور ارتفاعًا في نسبة الأفراد الذين يواجهون انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي من 15% خلال الفترة الحالية إلى نحو 20% خلال الفترة المتوقعة. ورُجِّح أن تبقى نسبة المقيمين اللبنانيين المصنفين في المرحلة الثالثة (المرحلة المتأزمة أو أعلى) عند حدود 25% في قضاء عكار ومجموعة أقضية بعلبك الهرمل.

تبدل المعطيات

الأرقام خلال الحرب وما بعدها لن تكون كما قبلها أبدًا. فالنزاع أدى إلى نزوح 1.2 مليون شخص، بحسب الأمم المتحدة، معظمهم من أقضية الجنوب وبعبدا (الضاحية الجنوبية لبيروت). خرجوا من منازلهم بـ”الثياب التي عليهم”، تاركين وراءهم أرزاقهم وأعمالهم وممتلكاتهم. ورفع النزاع في الشرق الأوسط متوسط أسعار مختلف السلع والخدمات محليًا بين 30 و100% في غضون أيام، و”الخير للأمام”. الاقتصاد خسر فرصته المتوقعة للنمو، وانحدر نحو انكماش شهري يتجاوز 4% بحسب أحسن التقديرات، وباتت قدرته على خلق فرص العمل معدومة. فيما ستؤدي الحرب الإقليمية التي تدور رحاها في معاقل المغتربين الأساسية إلى تراجع التحويلات، ولا سيما منها المحمولة باليد.

تراجع المساعدات

الأمور لن تقف عند هذا الحد، فالمجتمعات المضيفة، ولا سيما في أقضية الشمال، منهكة أصلًا، وهي تشهد أعلى معدلات انعدام الأمن الغذائي. وسيترافق هذا الواقع مع حتمية تراجع المساعدات. إذ تشير المعلومات إلى انخفاض تغطية المساعدات الإنسانية للأمن الغذائي إلى 19% من الأسر اللبنانية، و4% من اللاجئين السوريين، وصفر في المئة من اللاجئين الفلسطينيين. وهناك معلومات عن عدم تأكيد أي تمويل لدعم اللاجئين السوريين بعد أيار القادم.

أركان الأمن الغذائي تهتز

على الرغم من عدم تسجيل أي فقدان للمواد الغذائية من الأسواق اللبنانية لغاية الآن، إلا أن الضغوط على سلاسل التوريد ترتفع بشكل مضطرد، وكلفة الاستيراد تزداد نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة العالمية. وبما أن لبنان يستورد أكثر من 80% من حاجاته من الخارج، فإن انكشافه على ارتفاع الأسعار العالمية كبير جدًا. و”يهدد استمرار الأزمة بإحداث ضغوط على عملية الاستيراد، وبالتالي القدرة على توفير الغذاء”، بحسب الأستاذة المحاضرة في الاقتصاد الزراعي سهاد أبو زكي.

تداعيات الحرب الإقليمية على الداخل اللبناني لن تقتصر على ارتفاع الأسعار الناتج عن صدمة الطاقة، إنما ستمتد إلى تقليص القدرة على توفير الأسمدة الكيماوية للمزروعات، وبالتالي ستحد من القدرة على الإنتاج الزراعي محليًا.

الأسمدة الأكثر استعمالًا، مثل “الأمونيا” و”الكبريت” و”نترات الأمونيوم”، تُنتَج في الشرق الأوسط، والقسم الأكبر منها يُنتَج في إيران والسعودية وسلطنة عمان والإمارات، و”يشهد إنتاجها تراجعًا بسبب الأحداث، وارتفاعًا كبيرًا في الأسعار نتيجة زيادة الطلب عليها مقارنة بالمعروض من مختلف الدول”، بحسب أبو زكي، وقد زادت أسعارها بنسبة 30% على أقل تقدير.

إذا كان الركن الأول من الأمن الغذائي، والمتمثل في توفر المنتجات، صامدًا، فإن “الركن الثاني المعني بقدرة الوصول إليها، سيكون مهددًا نتيجة ارتفاع الأسعار وتراجع المداخيل محليًا، بسبب البطالة والنزوح وتراجع الأعمال والنمو”، تضيف أبو زكي. وهو ما سيضطر المستهلكين إلى تغيير أنماط الاستهلاك والتوجه أكثر نحو السلع الأرخص، أو الأقل قيمة غذائية، أو حتى المشكوك بسلامتها ومواصفاتها، مما يعني “ضرب الركن الثالث للأمن الغذائي المتمثل بالاستخدام، فالمتاح من مواد استهلاكية لا يكون الأصلح بالضرورة”، تضيف أبو زكي. وعلى سبيل الذكر لا الحصر، فإن استبدال اللحمة بالعدس للحصول على الحديد، يُخسِّر المستهلك البروتين، وهذا التبديل غير المدروس، والذي يتطابق مع المثل الياباني “عند الجوع لا طعام سيئ”، يزداد وقت الأزمات بنسب كبيرة.

أعداد الجوعى ستزداد

بالتقدير الأخير للتصنيف المرحلي المتكامل، يظهر أن عدد المقيمين المهددين بانعدام الأمن الغذائي يبلغ مليونين و978 ألف شخص، يمثلون 47% من مجمل المقيمين، أي نصف عدد السكان. منهم مثلًا مليونان و17 ألف شخص، يمثلون 39%، يقعون في مرحلة الإجهاد، يعني بالدارج “لا تهز الواقف عالشوار”. واستمرار الحرب بهذه الشراسة، لجهة التشريد والقصف والتهديم، سيخفض الجزء الأكبر من هذه الفئة إلى المرحلة الثالثة، أي المرحلة المتأزمة. ومما يزيد من تهديد الأمن الغذائي مخاطر الاستهلاك في مراكز الإيواء أو الأماكن غير المجهزة بأبسط وسائل حفظ الطعام، وانعدام القدرة على الاستعمال بطريقة آمنة ونظيفة.

التهديد على المدى الطويل

إذا أردنا الذهاب أبعد من ذلك، فإن “القصف بالقنابل الفوسفورية، ورش مبيد “غليفوسيد” بنسب مركزة جدًا للقضاء على الغطاء النباتي في المناطق الجنوبية، سيؤثر على المدى البعيد على الأمن الغذائي نتيجة التلوث وتركز المبيدات والمركبات السامة في الغذاء الذي نستهلكه”.

“التغيير مقابل المزيد من الشيء نفسه”، هو ببساطة ما يحدث في لبنان، مهما تبدلت الظروف والوجوه. والاقتباس، الذي يعود إلى حملة بيل كلينتون بوجه جورج بوش الأب في الانتخابات الرئاسية الأميركية في تسعينيات القرن الماضي، ساهم في إسقاط الأخير، لأن لا استمرارية من دون تغيير. في حين نكرر في لبنان نفس السياسات منذ عقود، وننتظر تحسن الأمور، وهذا ما لم ولن يحصل.

الأمن الغذائي لا يُعالَج بمسكنات المساعدات، ولا بالإيهام بإمكانية لبنان توفير كل احتياجات سكانه. الحل يكمن في فكفكة الاحتكارات في القطاعين العام والخاص. كما يجب تسهيل تدفق السلع والمنتجات بحرية ومن دون عوائق. ومن الضروري تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية، وفي مقدمتها إعادة هيكلة المصارف والقطاع العام. ويشمل ذلك أيضًا الانتقال بالنظام النقدي إلى مجلس تثبيت القطع أو مجلس النقد (Currency Board).

في هذه الحالات فقط تعود الاستثمارات وتنتعش الأعمال. كما تتعزز السياحة وتزيد الإيرادات. ويزول الخطر من فقدان التدفقات الأجنبية بالعملة الصعبة لاستمرار الاستيراد. عندها يمكن الخروج من المراوحة في دائرة الجوع المقفلة التي تتسع عامًا بعد عام.