البنزين يعجز عن ملء خزان الرواتب المثقوب والزيادات مؤجلة إلى أجل غير مسمى

الرواتب

 

أقرت الحكومة اللبنانية في منتصف شباط 2026 تعويضًا شهريًا مؤقتًا لجميع العاملين في القطاع العام، من فاعلين ومتقاعدين. فأضافت إلى الرواتب الثلاثة عشر التي يتقاضونها ستة رواتب إضافية، ليرتفع بذلك مجموع الرواتب إلى تسعة عشر راتبًا، على أن تبدأ الاستفادة منها مع بداية شهر آذار الماضي. إلا أن هذا ما لم يحصل، وقد لا يحصل في القريب العاجل، مما دفع روابط الموظفين إلى اعتبار المماطلة استخفافًا غير مقبول بحقوقهم وسط هذه الأوضاع، مهددين بالتصعيد دفاعًا عن مطالبهم المشروعة.

التأخير في إعطاء الزيادة لا يعود إلى تزامن وضعها موضع التنفيذ مع انطلاق الحرب. فعودة الصراع، على شراسته غير المسبوقة حتى إبان حرب الستة والستين يومًا في عام 2024، تُعدّ عاملًا مساعدًا، إنما ليس العامل الوحيد أو حتى الأكبر. إذ يكمن جوهر المشكلة في أن هذه الزيادة:

  • أُقرت تحت ضغط الشارع ومن خارج الموازنة العامة لعام 2026.
  • لم تأخذ في الاعتبار ظروف المالية العامة ومحدودية قدرة الدولة على الإنفاق.
  • سبقت إعادة هيكلة القطاع العام وتخفيض أعداد الموظفين غير المستحقين.
  • والأهم، أنها اعتمدت على موارد ضريبية مرهقة وقد تكون غير مستدامة.

رسم البنزين غير كافٍ

ومن الأهم إلى المهم، يمكن تقدير كلفة الرواتب الستة الإضافية لنحو 320 ألف موظف بنحو 700 مليون دولار سنويًا، وذلك انطلاقًا من أن كلفة الرواتب الثلاثة عشر، من دون ملحقاتها، بلغت 1.5 مليار دولار في موازنة عام 2026.

ولتأمين هذه الزيادة، لجأت الدولة إلى ثلاثة حلول، اثنان منها دخلا حيز التنفيذ، وهما:

  • فرض ضريبة بقيمة 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين.
  • إعادة الرسوم على المستوعبات في مرفأ بيروت إلى ما كانت عليه قبل الانهيار، أي بين 50 و75 دولارًا للمستوعب الواحد.

أما الإجراء الثالث، الذي لم يُقرّ بعد، فهو:

  • رفع الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 1% لتصبح 12%.

من دون إقرار رفع الضريبة على القيمة المضافة، سيبقى الرسم على البنزين قاصرًا عن تأمين الإيرادات الكافية لتمويل الزيادة على الرواتب، ولا سيما مع استمرار الحرب وما رافقها من ارتفاع كبير في أسعار المحروقات وتراجع في الاستهلاك.

خلال شهر آذار الماضي، تراجع استهلاك البنزين في لبنان بنسبة 25% إلى حدود 300 ألف صفيحة يوميًا، أي ما يعادل 9 ملايين صفيحة شهريًا. وعليه، تراجعت قيمة المتحصلات من الرسم على البنزين إلى نحو 30 مليون دولار.

وعلى افتراض أن استهلاك البنزين سيبقى عند هذه الحدود ولم يتراجع بشكل إضافي، فإن الرسم على الصفيحة بقيمة 300 ألف ليرة سيؤمّن إيرادًا بنحو 330 مليون دولار لغاية نهاية العام، وهو ما يمثل أقل من 50% من كلفة الزيادة على الرواتب.

TVA مؤجلة

الاعتماد على رفع الضريبة على القيمة (TVA) المضافة لتأمين ما يكفي من الواردات أصبح أصعب بما لا يُقاس بعد الحرب. فتعطّل سلاسل توريد المحروقات والكيماويات، وارتفاع أكلاف النقل والتأمين، أدّيا إلى رفع أسعار مختلف السلع والخدمات محليًا بنسبة تراوحت بين 30% و100%. الأمر الذي من شأنه أن يرفع معدلات التضخم، ما يحول دون فرض المزيد من الضرائب والرسوم، كي لا يكون ما يُعطى باليد اليسرى يُؤخذ باليد اليمنى.

الضغط على المالية العامة

تترافق هذه الصعوبات مع ازدياد الضغوط التمويلية على الخزينة جراء الحرب، وهو ما انعكس تراجعًا بقيمة 75 مليون دولار في ودائع الدولة لدى مصرف لبنان في النصف الثاني من شهر آذار وحده، مع توقع ارتفاع النفقات في الأشهر المقبلة، في ظل فقدان المساعدات الخارجية الوازنة. وقد أضيفت إلى الخسائر المقدّرة من قبل البنك الدولي بنحو 14 مليار دولار خلال حرب عام 2024، نحو 3 مليارات لغاية الأن، إذ تشير أفضل التوقعات إلى خسارة الاقتصاد ما بين 80 و100 مليون دولار يوميًا جراء الحرب.

ويترافق هذا الواقع مع تراجع في الإيرادات نتيجة الانكماش الاقتصادي، وتمديد مهل التسديد، والإعفاءات من الغرامات والضرائب والرسوم، وهي كلها عوامل ستقلّص الإيرادات العامة في موازنة عام 2026، والمتوقعة بنحو 6 مليارات دولار، معظمها سيتأتى من الضرائب.

الحل بإعادة الهيكلة

وسط هذا الواقع الملبّد بكل أنواع المشاكل المالية والنقدية والاقتصادية، تعود مطالبات القطاع العام بزيادة الرواتب والأجور، وهي مطالب محقّة. ولضمان إعطاء زيادات عادلة وكافية ومضمونة الاستمرارية، يجب تحقيق شرطين ما زالا مفقودين، وهما أن تكون الزيادات مدروسة، وأن تأتي بعد إعادة هيكلة القطاع العام.

ولا يُقصد بإعادة الهيكلة صرف الموظفين غير الفاعلين وإقفال المؤسسات التي لم يعد لوجودها مبرر فحسب، بل أيضًا خصخصة إدارة العديد من المؤسسات العامة المكلفة، كالكهرباء مثلًا، وفتح هذه القطاعات المحتكرة، مثل الاتصالات والمياه والنفايات والمعاينة الميكانيكية والكازينو والطيران والريجي وغيرها، أمام المنافسة. ما يسمح بولادة شركات خاصة تستوعب أصحاب الخبرة من المصروفين، وتعيد توظيف طاقاتهم في المكان الصحيح.

ومن دون هيكلة القطاع العام وترشيده وترشيقه، عبثًا نحاول تحسين أوضاع العاملين فيه. فكل الخطوات ستبقى ترقيعية وغير مستدامة، وتفشل عند أي منعطف، وما أكثر المنعطفات التي تواجه هذا البلد.