الإصلاح مدخل وحيد لأي دعم مالي خارجي

مالي

من عشرات الشروط في بداية الانهيار، انحصرت مطالبات صندوق النقد الدولي للبنان في العام 2026 بشرطين أساسيين، هما: الحاجة إلى إصلاح مالي، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي.

هذان الشرطان، اللذان كانا مقدورًا عليهما عند إطلاقهما في شباط عقب زيارة وفد الصندوق إلى بيروت، أصبحا من الماضي القريب عقب إدخال لبنان في حرب إسناد إيران في الثاني من آذار 2026. وتقدّم عليهما في العلاقة مع صندوق النقد الدولي البحث الموسّع في “إمكانية حصول لبنان على تمويل مالي سريع لدعم الموازنة والاستجابة الإنسانية”، حسبما نقلت وكالة بلومبيرغ عن مسؤولين مطلعين على المحادثات التي جرت بين لبنان والصندوق على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، مضيفة أن “المحادثات تركزت على توفير أداة تمويل من شأنها أن تتيح للبنان الحصول على ما يتراوح بين 800 مليون ومليار دولار”.

قرض “أمان”

ظهرت نتيجة المباحثات سريعًا في اتفاق القرض الذي وقّعه لبنان مع البنك الدولي في واشنطن بقيمة 200 مليون دولار، لتمويل برنامج “أمان“، وهو برنامج مخصص لتقديم مساعدات نقدية لنحو 162 ألف أسرة، بقيمة 150 دولارًا شهريًا. ومع هذا الاتفاق، تكون قد تحققت الاستجابة الإنسانية الموعودة، علمًا أن التمويل هو عبارة عن قرض سيُضاف إلى مجموعة القروض السابقة لدعم الفقراء بقيمة 550 مليون دولار. في المقابل، فإن المساعدات الإنسانية التي تلقاها لبنان ضمن “نداء لبنان العاجل“، الذي أُطلق بالتعاون مع الأمم المتحدة، لم تتجاوز 0.25% فقط؛ إذ من أصل التمويل المطلوب البالغ 308 ملايين دولار، لم يحصل لبنان، بعد شهر من إطلاق النداء لتغطية الفترة بين آذار وأيار، إلا على 770 ألف دولار.

الفهم الخاطئ للعلاقة مع الصندوق

على الرغم من مواجهة المساعدات والخدمات الإنسانية خطر التقليص الشديد أو التعليق، مع استمرار ارتفاع عدد المحتاجين، يمكن القول إن الاستجابة الإنسانية تحققت بشكل أو بآخر. لكن ماذا عن بقية المبلغ المفترض أن يكون دعمًا بقيمة 800 مليون دولار من صندوق النقد الدولي للموازنة؟ وهل يمكن الوصول إليه؟

العموميات التي نُقلت عن المباحثات بين لبنان وصندوق النقد الدولي في واشنطن، أعاد مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في الصندوق، جهاد أزعور، تصويبها ووضعها في إطارها الدقيق، إذ قال إن “الصندوق يعمل على إعادة تقييم وضع الاقتصاد اللبناني بعد الحرب الحالية، خاصة مع توقعات ارتفاع التضخم والتأثير السلبي على حجم الناتج المحلي”، معتبرًا في حديث إلى قناة العربية أن “المرحلة استثنائية، ويجب على الدول والمؤسسات الداعمة توفير دعم سريع لتمكين لبنان من تحقيق الاستقرار الاجتماعي”.

يُفهم من كلام أزعور أن صندوق النقد الدولي لن يكون الجهة التي توفر الدعم السريع للبنان، بل إن هذه المهمة تقع على عاتق الدول الداعمة والمؤسسات الدولية. أما في المضمون، فـ”من شبه المستحيل أن يوافق الصندوق على أي تمويل ما لم يتم خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي”، كما يؤكد المدير السابق في صندوق النقد الدولي ورئيسة الجمعية الاقتصادية اللبنانية د. منير راشد،  إذ تفوق نسبة الدين العام حاليًا الناتج بنحو أربعة أضعاف؛ فمقابل ناتج يُقدّر بـ30 مليار دولار، هناك دين عام يصل إلى نحو 130 مليار دولار، موزّع بين فجوة مالية بنحو 80 مليار دولار، وسندات دين بالعملة الأجنبية تتجاوز 40 مليار دولار مع الفوائد، إضافة إلى قروض من البنك الدولي تقارب ملياري دولار، ونحو ملياري دولار ثمن الفيول للعراق وقروض متفرقة.

مالي
حصة لبنان من حقوق السحب الخاصة ونسبة مساهمته في صندوق النقد(المصد: موقع الصندوق الرسمي)

حقوق السحب الخاصة

لتخفيض نسبة الدين إلى الناتج، يجب إعادة هيكلة الديون من خلال قانون الفجوة المالية وبدء التفاوض مع حملة السندات. وهو ما أخّرته الحرب لمدة عام بحسب تقديرات مؤسسة التمويل الدولية (IIF). بعد ذلك، يمكن التوصل إلى اتفاق على مستوى الموظفين (SLA)، وفي حال التزام لبنان بالشروط المسبقة، يُرفع الملف إلى مجلس إدارة الصندوق للموافقة على برنامج تمويلي مقابل دفعات مرحلية مرتبطة بإصلاحات محددة، وقياس مؤشرات الأداء.

انطلاقًا من هنا، فإن الحصول على قرض من صندوق النقد، غير ممكن في هذا التوقيت نظرًا إلى الظروف. تبقى إمكانية حصول  لبنان على تمويل سريع محصورة بحقوق  السحب الخاصة (SDR) التي يملكها، والبالغة نحو 1.47 مليار دولار. إلا أنه، خلافًا للعديد من الآراء، لا يمكن للبنان طلب الحصول على هذه الحقوق بشكل مباشر، إذ إن توزيعها يتم عبر ما يُعرف بـ”التوزيع العام” (General Allocation) الذي يقرّره الصندوق لجميع الدول الأعضاء وفق ظروف محددة.

وقد حصل ذلك، على سبيل المثال، في عام 2021 عندما قام الصندوق بتوزيع نحو 650 مليار دولار لمواجهة تداعيات جائحة كورونا، واستفاد لبنان حينها من نحو 860 مليون SDR، أي ما يعادل حوالي 1.1 مليار دولار. وتتحدد قيمة هذه الاستفادة بناءً على حصة لبنان (Quota) التي تبلغ 633.5 مليون دولار، منها 25% مدفوعة بالعملة الأجنبية و75% بالعملة الوطنية. مع الإشارة إلى أن هذه الحقوق ليست مجانية، بل يترتب على استخدامها كلفة تُدفع على شكل فوائد في السنوات اللاحقة.

بناءً عليه، لا يمكن للبنان الحصول على تمويل من صندوق النقد الدولي في الوقت الراهن. كما أن الاستفادة من حقوق السحب الخاصة ليست قرارًا أحاديًا، بل ترتبط بتوزيعات عالمية يقرّها الصندوق. وعليه، يبقى المسار الوحيد المتاح هو الإصلاح، كمدخل إلزامي لأي دعم مالي خارجي.