اتساع العجز التجاري قبل الحرب يفاقم المخاوف على ميزان المدفوعات

العجز التجاري

لم يشذّ العام 2026 عمّا سبقه من أعوام لجهة تحقيق لبنان عجزًا في الميزان التجاري. فقد تحوّلت ظاهرة الاستيراد بكميات وقيم أكبر بكثير من التصدير إلى سمة من سمات الاقتصاد اللبناني، في الأزمات كما في أوقات الاستقرار. إلا أن ما يثير الانتباه هو تعمّق فجوة العجز التجاري خلال الشهرين الأولين من العام الحالي، مدفوعةً بارتفاع كبير في قيمة الواردات، وذلك قبل نشوب حرب إيران وما رافقها من ارتفاع ملحوظ في أسعار مختلف السلع والخدمات، وفي مقدمتها النفط والنقل.

بلغ العجز التراكمي في الميزان التجاري لغاية نهاية شباط 3 مليارات و332 مليون دولار، بزيادة 50.9% عن الفترة نفسها من العام 2025، حيث لم يتجاوز العجز حينها 2 مليار و208 ملايين دولار. وقد استورد لبنان في أول شهرين من العام الحالي بضائع وسلعًا بقيمة 3 مليارات و757 مليون دولار، فيما صدّر فقط ما قيمته 426 مليون دولار. وبالمقارنة مع الأرقام المسجّلة في العام الماضي، يتبيّن أن ارتفاع العجز هذا العام لا يعود إلى زيادة الواردات فحسب، بل أيضًا إلى تراجع الصادرات، إذ بلغت نسبة التراجع 32%، من 626 مليون دولار في العام 2025 إلى 426 مليون دولار هذا العام.

العجز التجاري
الميزان التجاري خلال كانون الثاني وشباط 2026 (القيمة بملايين الدولارات)

الصادرات تتحسن، ولكن!

أما على المستوى الشهري، فقد تراجع العجز التجاري خلال شباط بنسبة 3% مقارنة مع كانون الثاني، متأثرًا بزيادة الصادرات وتراجع طفيف في الواردات. فقد ارتفعت الصادرات بنسبة 6.8% من 206 ملايين دولار في كانون الثاني إلى 220 مليون دولار في شباط، فيما تراجعت الواردات بنسبة 1.9% من مليار و897 مليون دولار في كانون الثاني إلى مليار و861 مليون دولار في شباط.

لجهة الدول التي يستورد منها لبنان، فقد حافظت الصين على صدارة الدول المصدّرة إليه، بنسبة 12.38%، تلتها سويسرا التي استحوذت على 12.27% من إجمالي الواردات، فيما حلّت الإمارات العربية المتحدة في المرتبة الثالثة بنسبة 8%.

أما لجهة الدول التي يُصدَّر إليها، فقد جاءت الإمارات العربية المتحدة وتركيا وسوريا في مقدمة الوجهات خلال العام، حيث استحوذت على حصص بلغت 15.26% و10.09% و7.04% على التوالي من إجمالي قيمة الصادرات.

بنية المستوردات لا تتغير

الثبات في الخريطة التقليدية لجهة وجهات الاستيراد والتصدير الرئيسية قابله ثبات مماثل في بنية المنتجات المستوردة والمصدّرة. ففي الوقت الذي حلّت فيه اللآلئ والأحجار الكريمة والمعادن في صدارة المنتجات المستوردة بنسبة 22.28% وبقيمة 837 مليون دولار، استحوذت هذه الفئة أيضًا على 19.95% من السلع المصدّرة، بقيمة 85 مليون دولار أميركي.

في المقابل، ظلت المنتجات المعدنية ثاني أكثر السلع المستوردة، بقيمة 800 مليون دولار، وتشمل هذه الفئة المشتقات النفطية بشكل أساسي، والتي ترفع الفاتورة الاستيرادية بشكل كبير. ويُقدَّر استهلاك لبنان خلال شهر شباط، بحسب مصادر أصحاب المحطات، بنحو 400 ألف صفيحة بنزين و500 ألف صفيحة مازوت.

ويقابل هذا الاستيراد الكبير من المعادن تصدير المعادن الأساسية ومصنوعاتها بقيمة 76 مليون دولار، وبنسبة 17.84% من إجمالي الصادرات، حيث تتصدر هذه الفئة قائمة السلع المصدّرة، وتتضمن بشكل أساسي الخردة.

تبقى حصة السلع التي تولّد قيمة مضافة مرتفعة، وتعكس صحة القطاع الإنتاجي محدودة جدًا في الصادرات. فعلى الرغم من احتلال الصناعات الغذائية المرتبة الثالثة بين أكثر المنتجات المصدّرة من لبنان، فإن قيمتها لم تتجاوز 64 مليون دولار، وتمثل نحو 15% من إجمالي الصادرات.

آذار هو المقياس

تسجيل الميزان التجاري عجزًا كبيرًا، سبق اندلاع الحرب بين إيران، ومن المتوقع أن يتعمّق أكثر خلال آذار، نظرًا لعدم تراجع المستوردات بنسبة موازية مع ارتفاع الأسعار. ففي الوقت الذي ارتفعت فيه أسعار المشتقات النفطية بنحو 60% في المتوسط خلال آذار، لم يتراجع استهلاك البنزين والمازوت إلا بنسبة تتراوح بين 20 و25%. كما شهدت السلع الغذائية ارتفاعًا لافتًا في الأسعار، نتيجة ارتفاع كلفة النقل والتأمين بفعل عامل الخوف من انقطاع المواد والسلع. كما  من المنتظر أن تكون الصادرات، ولا سيما الصناعية منها، قد تراجعت خلال آذار بالتوازي مع خروج نحو 20% من المعامل من الخدمة، وفقدان المصانع جزءًا من اليد العاملة بسبب النزوح، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة داخليًا على حد سواء.

العجز التوأم

إن وجود عجز في الميزان التجاري لا يشكّل بحد ذاته تهديدًا كبيرًا، إذ يُعد في بعض الحالات مؤشرًا على ديناميكية الاقتصاد وقدرته على الاستهلاك بشكل أو بآخر. إلا أن ما يثير المخاوف بشكل أساسي هو عودة العجز في الموازنة العامة وميزان المدفوعات، إذ إن ما يُعرف بـ”العجز التوأم” يجعل العجز التجاري يتحول إلى عامل ضغط فعلي على الاقتصاد، ويؤشر إلى خروج كميات كبيرة من النقد الأجنبي، في وقت يحتاج فيه الاقتصاد إلى هذه السيولة بشكل ملحّ. مع الإشارة إلى أنه، وفقًا لأحدث تقرير نقدي صادر عن مصرف لبنان، سجل ميزان المدفوعات فائضًا تراكميًا قدره 5 مليارات و744 مليون دولار في كانون الثاني 2026، وهو أعلى بكثير من الفائض المسجل في الفترة نفسها من العام الماضي والبالغ مليارين و208 ملايين دولار في 2025. إذ ارتفع صافي الأصول الأجنبية لمصرف لبنان بمقدار 5 مليارت و542  مليون دولار، فيما زاد صافي الأصول الأجنبية لدى المصارف التجارية بمقدار 202.5 مليون دولار في كانون الثاني 2026.

الديناميكية القوية التي كان يشهدها الاقتصاد خلال الشهرين الأولين من العام الحالي، ستتحول إلى انكماش ابتداءً من آذار، يُتوقع أن يكون ذا طابع تضخمي. فإلى جانب صدمة أسعار النفط التي سببتها الحرب بين إيران وما رافقها من ارتفاع عالمي في الأسعار، فإن حرب “إسناد إيران”، التي عاد وانخرط بها لبنان، أدت إلى تعطيل مسار التعافي الاقتصادي الذي كان متوقعًا. وفي الوقت الذي يُتوقع فيه، انكماش اقتصادي يتراوح بين 30 و35% خلال آذار، يخسّر الاقتصاد يوميًا ما بين 30 و35 مليون دولار، بحسب الباحث محمد شمس الدين،  ارتفع معدل التضخم بأكثر من 4% ليصل إلى 17.5% وفق الإحصاء المركزي.

ويترافق ذلك مع تراجع التدفقات النقدية من قطاع السياحة، وانعدام الاستثمارات الأجنبية، وتقلص المساعدات المخصصة لإعادة الإعمار. ومن المتوقع، بحسب وزير المالية، أن تشهد المالية العامة تراجعًا في الإيرادات مقابل زيادة في الإنفاق، وذلك قبل بدء استحقاق الضريبة على القيمة المضافة مطلع الشهر المقبل.