أن تكون في نظام اقتصادي ليبرالي حر، يعني أن تحترم آلية السوق في تحديد الأسعار. أمّا أن تفرض الدولة سعراً محدداً على سلعة أو مجموعة من السلع، فهي تخاطر بتقويض هذه الآلية وجعلها مولِّدةً للأزمات. هذا ما حصل في قطاع النفط خلال مرحلة الدعم عقب الانهيار وقبله، وهذا ما يحصل اليوم مع البنزين، بحجة منع الاحتكار، بما يهدد بعودة عرقلة سلسلة إمداد المحروقات، ولا سيما مادة البنزين.
«تحدد وزارة الطاقة عمولة ثابتة لصاحب المحطة على مبيع المحروقات من جهة، وتلزمه من الجهة الأخرى برسوم ترتفع باطراد»، يقول نقيب أصحاب المحطات جورج براكس. وفي ظل تراجع حجم المبيعات بنسب وصلت إلى 60% في بعض المناطق، وبمتوسط 35% على مستوى مختلف المحافظات، فإن استمرار هذا الواقع يهدد بتآكل أرباح المستثمرين ويدفعهم إلى الخروج من السوق مُكرهين. وهو ما سيستدعي، قريباً، تحركاً لا بد منه، يضيف براكس.
التسعيرة محددة سلفا
إذا وضعنا جانباً، للحظة، فلسفة الرسوم الباهظة التي تدفعها المحطات على العمال الأجانب، تحت عنوان التحفيز العقيم على توظيف اللبنانيين، فإن السؤال المحوري لا يتعلق بجدوى «لبننة» القطاع، بل بسبب قيام وزارة الطاقة بتحديد سعر مبيع المحروقات، من بنزين ومازوت وغاز، في لبنان. ألا يشكل هذا التحديد مخالفة للفقرة (و) من مقدمة الدستور، التي تنص على أن «النظام الاقتصادي حر يكفل المبادرة الفردية والملكية الخاصة»؟ فإذا كان الاقتصاد حراً، فكيف يُقيَّد بتسعيرة محددة سلفاً، وبعمولة على البيع، بدلاً من أرباح تحددها عوامل السوق، وفي مقدمها الأكلاف والعرض والطلب؟
فوضى الدعم
العذر الذي لطالما استخدمته الحكومات لاستمرار تقييد تسعيرة المحروقات عموما، والبنزين خصوصا عبر جدول تركيب الأسعار الذي تصدره وزارة الطاقة كان الدعم. فقبل عام 2022، كانت المحروقات مدعومة، وقد أخذ هذا الدعم شكلين:
- الأول كان دعماً مباشراً منذ نهاية عام 2019 وحتى أيلول 2022، حيث كان مصرف لبنان يعمد إلى تحويل الليرات إلى دولارات على سعر صرف تفضيلي، أقل بكثير من سعر السوق الموازية، لتسهيل استيراد النفط من الخارج وضمان بيع المحروقات بأسعار منخفضة.
- أما الشكل الثاني فيعود إلى ما قبل عام 2019، حيث كانت المصارف تفتح تلقائياً اعتمادات الاستيراد بالدولار مقابل إيداعات الليرة على سعر صرف 1500 ليرة. وقد تبيّن لاحقاً أن هذا السعر لم يكن حقيقياً، بل كان مبالغاً فيه بشكل كبير، وأن جزءاً كبيراً من الدولارات، ولا سيما في مراحل الأزمات، جاء من أموال المودعين.
تبرير تثبيت الأسعار في الخبز والأدوية بشكل عام، والمحروقات بشكل خاص، كان عذراً أقبح من ذنب الدعم بحدّ ذاته، وقد أدّى إلى استنزاف أموال المودعين في أوقات الرخاء (المصطنع)، وإلى انقطاع المادة وتحولها إلى سوق سوداء بيعت بأسعار أعلى بكثير من أسعارها الفعلية، إضافة إلى التهريب في زمن الأزمة.
تعزيز المنافسة
ولم تنفع كل المناشدات الموجهة إلى وزارة الطاقة، ولا المطالبات بالتوقف عن إصدار جدول تركيب الأسعار للمحروقات، وترك المحطات تحدد الأسعار بناءً على عوامل السوق بما يضمن المنافسة فيما بينها، يقول براكس. فقد ظلّ المسؤولون يتحججون بإمكانية اتفاق شركات النفط فيما بينها على رفع الأسعار، متجاهلين أساساً أن سوق النفط في لبنان ليس تنافسياً بالأساس.
أهمية ترك السوق يحدد أسعار مبيع المحروقات لا تضمن حريته فحسب، بل تدفع المحطات الضعيفة إلى الخروج من السوق، وتدفع البقية إلى التنافس فيما بينها على تخفيض كلفها التشغيلية، وتقديم العروض والخدمات لاجتذاب الزبائن، ما يفتح المجال لتعزيز مصلحة المستهلك. وذلك على غرار ما يجري في الدول التي تعتمد سوقاً حرة، حيث تختلف الأسعار من محطة إلى أخرى، من دون أن يعني ذلك أن المحطة التي تكون أسعارها أعلى تتوقف عن العمل، بل على العكس؛ ففي أحيان كثيرة تكون العروض والخدمات التي تقدمها حافزاً لاستمرار ولاء زبائنها وعدم تركها.
اكلاف العمالة الأجنبية تحسم من رأس المال
هذا ما لم يحصل في لبنان، وقد بدأ يرخي بثقله بقوة على محطات المحروقات، إذ إنّه، مقابل عمولة على صفيحة البنزين بقيمة 179 ألف ليرة، تفرض الدولة رسوماً تتزايد باطراد على العمال الأجانب، لتتجاوز مؤخراً 2000 دولار سنوياً عن العامل الواحد. فمنذ التوصل مع وزارة العمل إلى اتفاق تسوية أوضاع العمال الأجانب وجعل إقامتهم شرعية، أصبحت الإقامة السنوية للعامل الأجنبي تكلف ما يلي:
- رسوم في وزارة العمل بقيمة 24 مليون ليرة سنوياً.
- رسوم للأمن العام بقيمة 20 مليون ليرة سنوياً.
- رسم الضمان الاجتماعي بقيمة 5.7 مليون ليرة شهرياً، وذلك بعد رفع الحد الأدنى للأجور إلى 28 مليون ليرة، أي ما يعادل نحو 63 مليون ليرة سنوياً، مع العلم أن العامل الأجنبي لا يستفيد من خدمات الضمان ولا من تعويضات نهاية الخدمة.
- يُضاف إلى ذلك كفالة مصرفية بقيمة 700 دولار تُودَع في مصرف الإسكان.
تخفيف الرسوم وتحرير السعر
«ما نطالب به هو تخفيف الرسوم، وتحديداً فيما يتعلق بالضمان الاجتماعي»، يقول براكس، «خصوصاً في ظل تحديد معدل الربح على صفيحة البنزين من قبل وزارة الطاقة». فإذا كان القصد من هذه الرسوم تحفيز العمالة اللبنانية، فهي تأتي بنتيجة عكسية. ففي عزّ الأزمة الاقتصادية، وكل الأوضاع الصعبة التي مرّ بها لبنان، لم نشهد إقبالاً من لبنانيين على العمل في محطات المحروقات، في حين تحرم التسعيرة الموحدة المحطات من التنافس فيما بينها لزيادة إيراداتها. وعلى خلاف عمال بقية القطاعات، حيث تُوزَّع كلفة تجديد الإقامات على عدد كبير من السلع والخدمات عبر زيادات طفيفة في الأسعار، فإن الرسوم المفروضة على المحطات تُخصم مباشرة من أرباح العمولة الثابتة التي تحددها الوزارة، ما يجعلها عرضة للخسائر أو لاستنزاف رأسمالها، ويهدد استمرارية وجودها.
استمرار تحديد الربح في قطاع مبيع المحروقات عبر الجعالة الموحدة لا يضغط على قطاع المحروقات فحسب، بل يوجّه «فرد» البنزين إلى رأس النظام الليبرالي الحر الذي يتغنّى به لبنان، ويقوّض أسسه التي قام عليها.
