فرصة انتعاش جديدة فوتتها استمرارية الحرب على الاقتصاد اللبناني. فبعد تضييع الاستفادة من عيدي الفطر والفصح، يثلّث عيد الأضحى الإمكانيات المهدورة، ويتوّج لبنان على عرش ملك الفرص الضائعة عاما بعد عام، بلدا بلا سياح. وبدلا من أن نضحّي من أجل لبنان بالتوحد خلف مشروع الدولة والإصلاحات، ضحّينا به على مذبح الأجندات الخارجية، بعيدا عن المصلحة الوطنية.
لا يعزّ على صنّاع السياحة في لبنان شيء أكثر من رؤية شوارع بلدهم خالية من السيّاح، في وقتٍ تعجّ فيه شوارع الدول الأوروبية بمختلف الجنسيات. “بين مدريد وبيروت ساعاتٌ قليلة تفصل المدينتين على المقياس الزمني، لكنّ الفارق على صعيد النموّ السياحي شاسع، وقد يُقاس بالسنوات الضوئية”، يقول الأمين العام لاتحاد النقابات السياحية ونقيب أصحاب المؤسسات السياحية جان بيروتي، العائد حديثًا من زيارة عمل إلى إسبانيا.
الإشغال الفندقي يتراجع
“عن أيّ سياحةٍ نتحدّث؟”، يسأل بيروتي سريعًا، قبل أن يُتبع سؤاله الاستهجاني بآخر واقعي: “لو كنتَ مغتربًا في دولةٍ عربية أو مهاجرًا إلى الدول الغربية، هل كنتَ ستحجز في هذه الفترة للسفر إلى لبنان وتمضية إجازتك فيه؟”.

ما يسري على أيّ أحدٍ منّا يسري على السيّاح والمغتربين، وقد انعكس هذا الواقع انعدامًا شبهَ كليٍّ في النشاط السياحي في جنوب بيروت، لغاية كتابة هذه السطور، حيث تنتشر أكبر الفنادق والمؤسسات السياحية. وما زالت أغلبية المؤسسات البحرية تؤجّل افتتاح موسم الصيف، نظرًا لعدم تواجد السيّاح من جهة، ولعدم مساعدة الطقس من جهةٍ ثانية. أمّا فيما يتعلق ببقية المناطق، فقد تراجع عدد أيام حجوزات عيد الأضحى في الفنادق من ما بين 7 و10 أيام في المتوسط إلى ثلاثة أيام.
ويتركّز الطلب بشكلٍ أساسي من قبل السيّاح السوريين المقتدرين ماديًّا والعراقيين. والمفارقة أنّ السيّاح الذين كانوا يتوافدون من العراق بأعدادٍ كبيرة، تراجع حضورهم في السوق اللبناني بأكثر من 70% هذا العام، يقول جان بيروتي. وعليه، تراجعت نسبة إشغال الفنادق على صعيد لبنان كلّه خلال أيام عيد الأضحى إلى أقلّ من 25% في فنادق الخمس نجوم، فيما لا تتجاوز هذه النسبة 50% في فنادق الأربع نجوم وما دون. ومن المتوقع، في حال استمرار التصعيد العسكري، أو حتى عدم التوصل إلى حلٍّ فعليٍّ ينهي النزاع، أن تعود نسبة الإشغال في الفنادق إلى التراجع لما بين 5 و10% مع انتهاء عيد الأضحى.
أسوأ المواسم منذ سنوات
مجموعة من العوامل الطبيعية و”غير الطبيعية” تكاتفت هذا العام، لتجعل من موسم صيف 2026، المكلّل بمناسبة عيد الأضحى، واحدًا من أسوأ المواسم السياحية على الإطلاق منذ عقود. “لم يمرّ، على حدّ وعيي، موسمٌ بهذا السوء”، يقول جان بيروتي، “حتى في عزّ أيام الحرب اللبنانية بين عامَي 1975 و1990”. فالأحداث في لبنان لم تعد ظرفية أو مرحلية يمكن التعامل معها بالصبر وتقطيع المرحلة، على أمل حلول أيامٍ أفضل، بل تحوّلت إلى واقعٍ دائم. وتكمن خطورتها، برأي بيروتي، في استمراريتها وتعقبها السريع، إذ لم تعد تسمح للاقتصاد عمومًا، وللقطاع السياحي خصوصًا، بالتقاط أنفاسه وتعويض خسائر المواسم السيئة. ويترجم هذا الواقع بإقفال نحو 20% من الفنادق في لبنان، بشكل كلي. فيما هناك نحو 50% أقفلت جزئيا، وهي تعتمد سياسة “القصّ من اللحم الحي” لتأمين المصاريف التشغيلية، وفي مقدمتها أجور العاملين والإضاءة.

النازحون لا ينزلون في الفنادق
خلافًا لما يروّج له البعض، بأنّ النازحين عوّضوا جزئيًّا تراجع أعداد السيّاح في الفنادق، تُظهر الأرقام واقعًا مختلفًا. فقد شهدت الفنادق زخمًا قويًّا وحركة حجوزات كبيرة خلال الأسبوع الأول من بدء النزوح في الثاني من آذار، ثمّ بدأت الحجوزات تتراجع تدريجيًّا، بحيث انعدمت في فنادق الأربع والخمس نجوم، وتراجعت بشكلٍ كبير في فنادق الثلاث نجوم.
ولم يبقَ سوى بعض الفنادق، التي تُعدّ على أصابع اليد الواحدة، وتقع خارج التنظيم النقابي، تستقبل نازحين. وقد طوّرت بعض هذه المؤسسات وسائل لمساعدة النازحين على الاستقرار، مثل إنشاء مطبخٍ وتأمين أدوات الطهي، إذ إنّ هذه الخدمات غير متوافرة أصلًا في الفنادق. ومع ذلك، لا يمكن اعتبار الإقامة في هذه الفنادق مؤشرًا على انتعاش الحركة الفندقية، أو حتى تعويضًا عن غياب السيّاح، بأيّ شكلٍ من الأشكال.
خنق الاقتصاد
في بلدٍ يتنفّس اقتصاده من رئة السياحة، يُخنق بكلّ أدوات طرد الـ سياح. ولا تكفي الحرب وارتفاع كلفة الخدمات، وفي مقدّمها أسعار تذاكر السفر وإهمال البنية التحتية، حتى تأتي تصريحات “اللامسؤولين” لتزيد الطين بلّة. فمن على منبر أحد وسائل الإعلام، يطلّ أحد المسؤولين ليبشّر باستعداد فريقه، عدديًّا وجهاديًّا، لأيّ مواجهة في الداخل، في حين أنّ ما يُستخدمه ضدّ العدو لا يتجاوز 10% من القدرات.
ما يحصل في لبنان لا يؤشّر إلى كبوة سياحية، بل يؤسّس لعطبٍ دائم. وممّا يزيد من المخاطر احتمال خروج العديد من العلامات السياحية العالمية، التي ظلّت تنظر إلى لبنان كسوقٍ واعدة، تعوّض فيه خسائرها محليًّا بالربح المحقّق من وجهات أخرى، ولا سيّما عربية. لكن اليوم، ونتيجة الأفق المقفل محليًّا وعربيًّا، قد تفضّل هذه الشركات الخروج من السوق للحدّ من خسائرها.
شركات تأجير السيارات تحتضر
تراجع أعداد المغتربين والسيّاح على حدّ سواء أرخى بثقله على قطاع تأجير السيارات. فنسبة الحجوزات خلال عيد الأضحى تتراوح بين 5 و10%، يقول نائب رئيس نقابة مكاتب تأجير السيارات جيرار زوين، فيما أُلغيت كل الحجوزات لموسم الصيف، والتي عادة ما تكون مرتبطة بفترة إقامة المغتربين والسيّاح.

وبرأي زوين، فإن استمرار الحرب، المترافقة مع ارتفاع كبير في أسعار تذاكر السفر، يحدّ من قدوم المغتربين، ولا سيّما من الوجهات البعيدة كأستراليا والولايات المتحدة، وهم عادةً من يحجزون السيارات قبل شهر أو شهرين من وصولهم ويمكثون لفترات أطول نسبيًا.
وعلى غرار بقية القطاعات، تراجع عدد شركات تأجير السيارات بنسبة 40%، من 360 شركة إلى نحو 220 شركة، وانخفض أسطول السيارات من 23 ألف سيارة قبل عام 2006 إلى حدود 10 آلاف سيارة فقط اليوم.
ويعجز أصحاب الشركات عن تجديد أساطيلهم، نظرًا لتراجع التمويل المصرفي، وانخفاض الحركة التشغيلية، وعدم وجود سوق لتصريف السيارات القديمة.
الدولة الغائب الأكبر
“إن كنا لا نطلب مساعدتها، فلتكفّ الدولة عبئها عنا”، هذا هو لسان حال مختلف القطاعات السياحية. فمن غير المعقول أن تستمر الدولة بجباية الرسوم والضرائب وفواتير الكهرباء والمياه في هذه الظروف، لتمويل رواتب نفقاتٍ متضخّمة، وحرمان موظفي القطاع الخاص من حقوقهم.
والأولى إعادة هيكلة القطاع العام، وتخفيف الضغط على مؤسسات القطاع الخاص، لتتمكّن من الصمود وتأمين رواتب موظفيها، الذين يحركون الدورة الاقتصادية حاليًا ويهيّئون الأرضية لاستعادة الزخم الاقتصادي إذا تحقّق الاستقرار في يومٍ قريب.
