العملات المستقرة وسيلة جديدة لاستمرار هيمنة الدولار على المعاملات

العملات المستقرة

تزداد التحذيرات، ولا سيما أوروبياً، من أن الانتشار المتسارع للعملات المستقرة المرتبطة بالدولار الأميركي قد يعزّز هيمنة العملة الأميركية على النظام المالي العالمي، ويقوّض قدرة بعض الدول على إدارة سياساتها النقدية بصورة فعّالة.

وبحسب عضوة المجلس التنفيذي في البنك المركزي الأوروبي، إيزابيل شنابل، فإن تزايد استخدام العملات المستقرة قد يؤدي إلى ترسيخ نفوذ الدولار عالمياً، ليس بسبب قوة الأسس الاقتصادية الأميركية فقط، بل نتيجة تأثيرات الشبكات الواسعة، وحجم السوق، والأفضلية التي يتمتع بها الدولار بصفته العملة المهيمنة عالمياً.

تصريحات شنابل، التي أدلت بها خلال مؤتمر نظّمه بنك كوريا المركزي في سيول، أتت في وقتٍ تشهد فيه العملات المستقرة نمواً سريعاً داخل أسواق الأصول الرقمية، إذ تُستخدم هذه العملات المشفرة وسيلةً للحفاظ على قيمة مستقرة من خلال ربطها بأصول تقليدية، وفي مقدمتها الدولار الأميركي.

وتُظهر التقديرات أن الغالبية العظمى من العملات المستقرة المتداولة عالمياً مرتبطة بالدولار، ما أثار نقاشاً متزايداً بين صُنّاع السياسات النقدية بشأن تداعيات هذا التوسع على النظام المالي العالمي.

أبرز العملات المستقرة

وتبرز كل من USDT وUSDC كأبرز عملتين مستقرتين مرتبطتين بالدولار بنسبة 1:1، أو ما يعني أن كل 1 USDT = 1 دولار تقريباً. وعلى الرغم من كون الاحتفاظ بالعملات المستقرة يوازي، من حيث القيمة، الاحتفاظ بعملة الدولار نقداً، ويلعب نفس الدور تقريباً، إلا أن العملات المستقرة تتقدم على النقد بالسرعة، وسهولة الاستخدام، وتراجع الأكلاف.

خلافاً لما يتطلبه التعامل بالدولار النقدي لتسوية المعاملات من الالتزام بساعات عمل المصارف، وانتظار أيام لوصول الحوالات، ودفع عمولات تزداد باستمرار، والتدقيق بمصادر الأموال، فإن استخدام العملات المستقرة يتم بكبسة زر من أي هاتف خلوي، محوَّلة إلى أي وجهة في العالم، بلحظات عبر شبكات البلوك تشين.

هذا عدا عن أن الوصول إلى الدولار قد يكون صعباً في الدول ذات القيود المصرفية، والتي تضع ضوابط على السحب والتحويل، فيتم اللجوء إلى العملات المستقرة، حيث توفر هذه العملات إمكانات للإقراض والاقتراض، وتوفير السيولة، وتسوية المدفوعات الرقمية.

مخاوف على مكانة اليورو

إزاء هذا الواقع، يظهر أن التأثير المحتمل للعملات المستقرة قد يكون أكثر وضوحاً في الاقتصادات التي تعاني ضعفاً في مصداقية السياسة النقدية أو تقلبات اقتصادية مرتفعة، حيث قد يفضل الأفراد والشركات الاحتفاظ بأصول رقمية مرتبطة بالدولار بدلاً من العملات المحلية. و”هذا التوجه قد يخلق حلقة مفرغة، إذ يؤدي تزايد الاعتماد على الدولار إلى إضعاف قدرة البنوك المركزية المحلية على نقل أثر قرارات السياسة النقدية إلى الاقتصاد الحقيقي”، بحسب شنابل.

وعلى الرغم من أن منطقة اليورو تتمتّع بمؤسسات نقدية قوية ومصداقية مرتفعة نسبياً، فإن استمرار هيمنة العملات المستقرة المرتبطة بالدولار قد يترك آثاراً غير مرغوبة على المدى الطويل. فاستخدام الدولار في المعاملات الدولية والاحتياطيات المالية العالمية، بما قد يقلّص تدريجياً دور اليورو في الأنظمة المالية الرقمية الناشئة، وفي النظام النقدي العالمي بصورة عامة.

وتأتي هذه المخاوف في وقتٍ يسعى فيه الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز دوره في مجال الأصول الرقمية وإطلاق مبادرات لتنظيم الأسواق المشفرة، فضلاً عن دراسة إمكانات اليورو الرقمي كأداة للحفاظ على مكانة العملة الأوروبية في عصر التحول المالي الرقمي.

ويعتقد مسؤولون أوروبيون أن السنوات المقبلة قد تشهد منافسة متزايدة بين العملات الرقمية السيادية والعملات المستقرة الخاصة، ما يجعل مسألة الحفاظ على السيادة النقدية إحدى القضايا الرئيسية أمام البنوك المركزية العالمية.