حين تهتز الأسواق.. لماذا يصبح تنويع المحفظة والبيتكوين ضرورة لا خيارًا؟

البتكوين

يعيش العالم على المستوى الاقتصادي، منذ بدء حرب إيران، حالةً من اللايقين، أصاب الكاتب سمير عطالله كبدها بوصفها بـ”الهتشكوكية”. فكما كان المخرج البريطاني ألفرد هتشكوك يترك المشاهدين مشدودي الأعصاب، أغرقت التداعيات السلبية للحرب المستثمرين في بحرٍ من الإرباك. ولعل السؤال الأكثر إلحاحًا خلال الفترة الماضية تمحور حول التوظيف الأجدى للنقود الورقية، خشية ضياع قيمتها نتيجة تدهور أسعار العملات وارتفاع معدلات التضخم. فهل تكون المعادن أم البتكوين أم الأسهم والسندات هي الملاذ الأفضل؟

مقابل كل أصلٍ من الأصول الاستثمارية، التقليدية منها والحديثة، كانت هناك ميزات وعيوب، أو كما يقال بالفرنسية: le pour et le contre، وهي معادلة يمكن أن تتبدل بلمح البصر. فالاستثمار في السندات الأميركية قد يتحول إلى خيار خاسر في لحظة، إذا فُتح مضيق هرمز وتوقعت الأسواق خفض معدلات الفائدة نتيجة انحسار الضغوط التضخمية.

في المقابل، فإن الذهب، الذي لطالما شكّل الملاذ الآمن في الحروب والهزات الاقتصادية، تراجع سعره بصورة دراماتيكية، وقد يتراجع أكثر إذا عمد الاحتياطي الفيدرالي الأميركي وبقية المصارف المركزية إلى رفع أسعار الفائدة لمكافحة شبح التضخم الناتج عن ارتفاع أسعار المحروقات.

أما العملات الرقمية وأسهم الشركات العالمية، فقد ظلت بدورها تتقلب على وقع التطورات الجيوسياسية في الخليج وخارجه، بانتظار إشارات سياسية حاسمة، من دون أن تبلغ مرحلة النضوج أو الاستقرار.

بماذا استثمر؟

انطلاقًا من مقولة: «مع كل أزمة محنة ومنحة»، فإن المنحة التي يمكن استخلاصها من التطورات العالمية تكمن، بحسب رئيس «المعهد اللبناني لدراسات السوق (LIMS)»، الدكتور باتريك مارديني، في «العودة إلى تنويع المحفظة الاستثمارية».وتتضمن المحفظة المثلى: الذهب، وأسهم الشركات الدولية، ومؤشرات البورصات العالمية، مثل داو جونز وناسداك و«إس آند بي 500»، إلى جانب السندات الحكومية والبيتكوين. ويضيف مارديني أن أهمية البيتكوين تكمن في أنها «تحولت إلى فئة أصول قائمة بحد ذاتها»، وباتت «جزءًا أساسيًا من المحافظ الاستثمارية الحديثة التي تؤمن قدرًا من الأمان مهما تقلبت الأسواق، إذ يعوض ارتفاع بعض الأصول تراجعات أصول أخرى».

البتكوين كملاذ آمن

خلافًا لبقية الأصول المشفّرة، التي يُشار إليها أحيانًا في التداولات غير الرسمية بمصطلح “shitcoins” للدلالة على ضعف قيمتها أو غياب الأساس التقني والاقتصادي لها، والتي تنشأ بأعداد كبيرة لأغراض المضاربة، فإن البتكوين تحولت إلى أصل نادر ذو قيمة سوقية مرتفعة، تبلغ حاليًا نحو 76 ألف دولار. والأهم أنها مرشحة لمزيد من الارتفاع في حال إقرار الكونغرس الأميركي «قانون الوضوح» (CLARITY Act)، الذي يمنح العملات الرقمية إطارًا تنظيميًا أكثر وضوحًا، ما قد يفتح الباب أمام موجات استثمارية جديدة تدفع الأسعار إلى الارتفاع مجددًا. وكانت البتكوين قد بلغت مستويات تقارب 126 ألف دولار في ذروة سابقة، مع تزايد التوقعات الإيجابية بشأن مسار التنظيم في الولايات المتحدة.

البتكوين
مارديني: التعامل بالبتكوين يحمي الحقوق الانسانية ويضمن الحرية الفردية

الملفت في البتكوين، بحسب مارديني، هو تفاعلها الكبير مؤخرًا مع أسهم الشركات التكنولوجية، إذ باتت تتحرك صعودًا بالتوازي مع ارتفاع أسهم شركات التكنولوجيا والمؤشرات التي تضمها، مثل ناسداك. ويأتي ذلك رغم أن المستثمرين يتجهون بشكل متزايد نحو أسهم الشركات التكنولوجية، ولا سيما تلك التي تطور برامج ومشاريع الذكاء الاصطناعي والروبوتات وغيرها، نظرًا إلى فرص تحقيق أرباح مرتفعة فيها، إضافة إلى أن بعض هذه الشركات يوزّع أرباحًا على المساهمين.

البتكوين وضمان الحرية المادية والمعنوية

أكثر من ذلك، فإن تضمين البتكوين في المحفظة الاستثمارية لا يشكّل أداة تحوّط موثوقة وفرصة لتحقيق الأرباح مستقبلًا فحسب، بل يُنظر إليه أيضًا، بحسب مارديني، على أنه «جزء لا يتجزأ من ضمان الحقوق الإنسانية».خصوصًا في البلدان التي تقمع فيها الحكومات الناشطين وطالبي التغيير، وتضيّق عليهم عبر خنق مواردهم التقليدية في المصارف وقطع سبل التمويل عنهم. فالتعامل بالبتكوين يمتاز بالخصوصية في نقل الأموال بين المحافظ، بعيدًا عن أطراف ثالثة مثل المصارف أو شركات تحويل الأموال. فيظهر في السجلات رقم الحسابات المحول منها وإليها فقط، من دون إمكانية تتبع اسماء أصحاب هذه الحسابات أو البلدان التي يتواجدون بها».

وعليه، فإن هذه الخصوصية التي تضمنها التعامل بالبتكوين يعتبر أمرا مقدرا وبالغ الأهمية لمناضلي حقوق الإنسان في البلدان القمعية ” وحاليا هذا هو الاستعمال الأهم للبتكوين برأي مارديني.  إضافة إلى ذلك، فإن البلدان التي تفرض قيودًا على سحب الأموال من المصارف (capital controls)، أو حتى تلك المعرّضة لاحتمال فرض مثل هذه الإجراءات أو قيود على حركة الرساميل، مثل الصين، تبرز فيها البتكوين كأداة بديلة لتبادل القيمة وإخراج الأموال. وتُستخدم البتكوين في هذا السياق كوسيلة لتحرير الرساميل الخاصة وحماية حرية تدفقها عبر الحدود.

العملات المستقرة

نوع جديد من الأصول بدأ يُضاف اليوم إلى المحافظ الاستثمارية يتمثل في العملات المستقرة (Stablecoins)، مثل USDT وUSDC، وهي عملات رقمية مُقوّمة بالدولار، تعادل الوحدة منها دولارًا واحدًا تقريبًا، ويمكن تحويلها بسهولة إلى الدولار النقدي. ويجعل هذا الاستقرار في القيمة آلية عملها شبيهة بنظام مجلس النقد (Currency Board) أو صناديق تثبيت سعر الصرف. وتحظى هذه العملات بقبول متزايد لدى السلطات الأميركية، إذ يُنظر إليها باعتبارها أداة مالية موازية تسمح بالاستثمار غير المباشر في سندات الخزانة الأميركية. ويتم توظيف جزء كبير من احتياطاتها في شراء سندات الخزانة الأميركية قصيرة الأجل، ما يتيح تحقيق عوائد من الفوائد، ويعزز في الوقت نفسه الطلب على الدين العام الأميركي. ومن هذا المنظور، تُطرح هذه العملات كأداة مالية جديدة تُعيد تشكيل العلاقة بين القطاع المالي التقليدي والأصول الرقمية.

سواء فُتح مضيق هرمز قريبًا أم لم يُفتح، وسواء تراجع التضخم وانخفضت معه أسعار الفائدة أو لم يحدث ذلك، فإن الاستثمار الأجدى يبقى في تنويع المحفظة الاستثمارية. والأكيد، تضمينها البتكوين، نظرًا لما يتمتع به هذا الأصل من مزايا اقتصادية ووظيفية، لا تعزز مرونة المحفظة في مواجهة التقلبات، فحسب إنما تضمن حرية الأفراد معنويا وماديا في مواجهة قمع الحكومات.