قانون الإيجارات يدخل حيّز التطبيق.. و“القنبلة الاجتماعية” مسحوبة الصاعق التفجيري

الإيجارات

أن تصل “قضية” في لبنان إلى خواتيمها، لهو إنجاز يستحق التوقف عنده. ففي زمن تمييع الملفات الحياتية وتأجيلها، والتسويف الذي يرافق كل مراحل تطبيق القوانين، بدأ أخيرًا تطبيق قانون الإيجارات. مع العلم أن رحلة هذا الأخير لم تكن سهلة على الإطلاق، بل تطلبت 80 سنة ليعود الملك الخاص إلى أصحابه، أو بالأحرى إلى ورثتهم، بعد تمديدات متتالية للإيجارات بدأت عام 1940.

في عام 2014، أبصر النور قانون جديد للإيجارات القديمة، إلا أن تنفيذه عُلّق بسبب العديد من الاعتراضات والتدخلات. فأُعيد تعديله ليصدر بصيغته النهائية في شباط 2017، متضمّنًا بصورة أساسية تحرير الإيجارات السكنية خلال مهلة أقصاها تسع سنوات، تنتهي في شباط 2026. واستثنى القانون المستأجرين الذين سجّلوا في صندوق الدعم، فمدّد استمرار إيجاراتهم لمدة اثنتي عشرة سنة، تنتهي في عام 2029.

بدء التطبيق

بعد أشهر قليلة على دخول القانون حيز التنفيذ، بدأت تعلو صرخات المستأجرين القدامى، متهمين القانون بالظالم والتهجيري، وذلك بالتوازي مع بدء صدور أحكام الإخلاء عن المحاكم. فالمستأجرون الذين كان يفترض أن يُخلوا المأجور تلقائيًا في 28 شباط، مع انتهاء مهلة السنوات التسع، امتنعوا عن التنفيذ، وأملوا بتمديد جديد للمهل أو بتأخير التطبيق بحجة الحرب والنزوح وعدم إضافة نازحين جدد. ما دفع بالمالكين إلى رفع دعاوى قضائية لاسترداد أملاكهم، التي بدأت تصدر تباعًا إنفاذًا للقانون. وهو ما أسقط كل الخطابات الشعبوية بأن “المالكين سيرمون المستأجرين في الشارع”، تقول رئيسة الهيئة اللبنانية للعقارات، المحامية أنديرا الزهيري. فـ “إخراج المستأجر يتم بالطرق القانونية وبناءً على قرارات قضائية، وليس بالقوة أو الإكراه”.

القانون يفرض نفسه

بعض المستأجرين عمدوا إلى التحجج بتقديمهم طلبات للاستفادة من صندوق الدعم لإطالة فترة البقاء ثلاث سنوات، فيما تحجج آخرون بعدم تفعيل الصندوق أو تمويله. إلا أن الحجتين ساقطتان، بحسب الزهيري. فالاستفادة من الصندوق تتطلب من المستأجر التصريح سنويًا، قبل ثلاثة أشهر من انقضاء السنة، بأنه مستفيد من الصندوق. وكان يتوجب عليه أيضًا إعلام المالك، في مهلة حدها الأقصى تشرين الثاني 2025، بكتاب رسمي بواسطة الكاتب العدل، بأنه مستفيد من الصندوق، وأنه يطلب توقيع عقد لثلاث سنوات بهذا الخصوص. وهذا ما لم يفعله معظم المستأجرين.

أما التحجج بعدم تشكيل الصندوق أو تمويله، فإن المراسيم التطبيقية للقانون التعديلي لعام 2017 صادرة، واللجان معينة. وصحيح أنها لم تبت بالملفات، إلا أن ذلك لا يؤثر على المستأجر، ولا على إمكانية المتقدمين رسميًا بطلبات الاستفادة منه. بل على العكس، فإن من يدفع الثمن هو المالك، الذي كان يفترض بالصندوق أن يعوض عليه قيمة الإيجارات، بدل بقاء المستأجر لمدة ثلاث سنوات إضافية.

التهويل في غير مكانه

حتى عام 2019، كان عدد الوحدات السكنية الخاضعة للإيجارات القديمة يبلغ نحو 65 ألفًا، يتركز معظمها في بيروت وجبل لبنان وطرابلس. إلا أنه بين عامي 2019 و2026، تناقص عدد عقود الإيجارات بشكل كبير، بحسب الزهيري، لأسباب عديدة، منها الإخلاءات بناءً على أحكام قضائية، وتوقيع عقود جديدة، أو تملك الوحدات المستأجرة، أو الاسترداد للضرورة العائلية، أو للهدم، أو الترك.

وعليه، فإن التهديد بتشريد مئات آلاف المستأجرين لا محل له، برأي الزهيري، فالأعداد أقل بكثير، والدليل ارتفاع نسبة العقود الجديدة الموقعة بين المستأجرين والمالكين إلى 90%. وهي لم تعد تشكل أي خطر أو مشكلة اجتماعية.

وتشدد الزهيري على أن المغبون، أولًا وأخيرًا، هو المالك. فعدا عن مشاهدته ملكه الخاص يتداعى وينتقل من جيل إلى آخر عبر المستأجرين، من دون أن يستفيد منه، فقد حُرم أيضًا من التعويضات المجزية منذ عام 2017. فعدم تمويل صندوق الدعم حرمه من البدلات والفروقات التي كان يفترض أن يسددها الصندوق عن المستأجرين. ومن يجب أن يطالب بالعطل والضرر هو المالك، وليس المستأجر، من وجهة نظر الزهيري.

“القنبلة الاجتماعية” التي لطالما جرى التهويل بها لعرقلة تطبيق قانون الإيجارات القديم باتت اليوم مسحوبة الصاعق. فالانفجار الاجتماعي الذي يُروَّج له لا مكان له، خصوصًا أن النسبة الأكبر من المستأجرين هم من الورثة أو من تسمح أوضاعهم العائلية بتسديد الإيجارات الجديدة. في المقابل، أصبح القضاء ملزمًا بالبت في الملفات، وإلا عُدّ ذلك استنكافًا عن إحقاق الحق، وفقًا للمادة 4 من أصول المحاكمات المدنية. وعليه آن الأوان لهذا الملف أن يُطوى، بعد انتظارٍ دام ثمانية عقود،  وأن تعود الأمور إلى سياقها القانوني والطبيعي الصحيح.