العقوبات المالية تطال العملات المشفرة.. ولبنان في دائرة التأثر

العملات المشفرة

شكلت العملات المشفرة وسيلة فعالة للإفلات من الرقابة البنكية المركزة. لكنها، ككل شيء، تمتلك وجهين؛ الأول إيجابي أتاح ضمان الحقوق الإنسانية، من خلال إيصال الأموال لطالبي التغيير أو إخراجها من الأنظمة القمعية. والوجه الآخر سلبي، استُخدم في تبييض الأموال، أو نقلها لغايات تمويل الإرهاب والعمليات الإجرامية.

في الحالتين، ظلت حرية تبادل الأصول وتسييلها إلى نقود، معمّاة عن الجهات الرقابية. وكلما كانت تزداد العملات كمًّا، وتتسع شبكات التداول “البلوكتشين” نوعًا، كلما كانت العمليات تكبر وتزداد.

العقوبات على العملات المشفرة

لم يعكر صفو هذه العملية، إلا إيجاد، مؤخرًا، “فجوة” تتيح تعطيل المحافظ المشكوك بها. بغض النظر عن أهداف هذه المحافظ أو مبررات وجودها، فإن امتلاك القدرة على تجميد الأصول فيها ومصادرتها، يشكلان بداية النهاية للإفلات شبه المطلق للعملات المشفرة من الرقابة واستخدامها بحرية. والدليل الأبرز تمثل، في الأمس القريب، بإعلان وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، فرض عقوبات على 37 محفظة للعملات المشفرة، زعم أنها تابعة للحرس الثوري الإيراني.

باختصار، قال مكتب كاتس، في بيان، إن تحقيقات المكتب الوطني الإسرائيلي لمكافحة تمويل الإرهاب كشفت أن هذه المحافظ استُخدمت لتحويل إيران عشرات ملايين الدولارات إلى وكلائها في المنطقة، ومنها حزب الله، وبالتالي تم حظرها. وهو الأمر الذي يؤدي إلى امتناع الشبكات عن استقبالها أو التعامل معها.

سباق بين التتبع والإخفاء

من الناحية التقنية البحت، استبدال المحافظ أكثر من سهل. بكبسة زر واحدة على أي جهاز يتم إنشاء محفظة جديدة، وتستمر العملية. لكن، في المقابل، إن كانت الجهات الرقابية تتابع حركة الأموال على البلوكتشين، فقد تتمكن من ربط المحافظ الجديدة بالقديمة، من خلال تحليل مسار التحويلات وإيقافها مجددًا. وهذا يخلق “سباقًا تقنيًا” بين التتبع والعزل، من جهة، والإخفاء، من جهة أخرى. البقاء فيه يكون من حصة الأقوى تقنيًا والأكثر تجهيزًا.

خلافًا لعقوبات الخزانة الأميركية التي تقصي المعاقبين عن النظام المصرفي العالمي وقنوات “سويفت” لتحويل الأموال، فإن العقوبات على المحافظ الرقمية لا تجعل التحويلات مستحيلة، لكنها ترفع كلفتها، وتدفع الشركات الكبرى لوقف التعامل معها، وتحد، بالتالي، من إمكانية تحويل الأصول الرقمية إلى أموال قابلة للاستخدام في النظام المالي التقليدي. والعائق الأخير هو الهدف العملي الأساسي من هذا النوع من العقوبات.

كيف يتأثر لبنان؟

التعامل بالعملات الرقمية، سواء كانت مستقرة كـ USDT وUSDC، أو مشفرة، وجد بيئة خصبة في لبنان. فالخشية من ملاحقة الأموال المحولة بعد انهيار القطاع المصرفي، والحاجة إلى قنوات بديلة لتمويل العمليات التجارية، أو حتى الاستثمار في أدوات تؤمن مدخولًا رديفًا، دفع الكثيرين لاستخدام العملات الرقمية، ومنها، بشكل خاص، المستقرة.

من الجهة الأخرى، فإن توسيع العقوبات الأميركية على العديد من الكيانات والأفراد دفعها إلى استعمال العملات المشفرة لتلقي الأموال وتحويلها. وقد كشف تحقيق لمنظمة “نومينيس وكوليفين”، وهي منظمة غير ربحية تُعنى برسم خرائط الطبقة المالية للشبكات الإرهابية، أن التعامل بالعملات المشفرة لم يقتصر على تلقي الأموال، إنما أيضًا جمع التبرعات لصالح جمعيات تدور في فلك الجهات المعاقبة دوليًا. وكان من اللافت الازدهار الكبير لاقتصاد العملات المشفرة، ووجود مئات نقاط التعامل، متخفية خلف المتاجر والمؤسسات وفي المنازل، والتي تعمل على تسييل هذه الأصول وتحويلها إلى نقود.

في الوقت الذي يستفيد فيه المتعاملون من غياب الأطر الناظمة للتداول الرقمي، ونموه كقطاع مالي رديف، يستمر لبنان على اللائحة الرمادية لتبييض الأموال وتمويل الإرهاب من قبل مجموعة العمل المالي. وكان من اللافت أن المجموعة أكدت، في اجتماعها الأخير الذي انعقد في باريس، أن المشكلة لا تكمن في النظام المصرفي أو حتى الاقتصاد النقدي، وهما الجهتان الأكثر مسؤولية عادةً في مثل هذه القضايا، إنما خارجهما. ومن جملة طلباتها لمعالجة أوجه القصور برزت المطالب بـ:

تعزيز فهم الجهات غير المالية وغير المصرفية للمخاطر، وتطبيق عقوبات فعالة ومتناسبة ورادعة على انتهاكات التزامات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

تعزيز استخدام السلطات المختصة لمنتجات وحدة الاستخبارات المالية والمعلومات المالية.

تحديد ومصادرة التحركات غير المشروعة عبر الحدود للعملات والمعادن والأحجار الكريمة.

الإطار التنظيمي

المسؤولية في وضع إطار تنظيمي لعمل العملات المشفرة تقع، أولًا وأخيرًا، على هيئة الأسواق المالية. وعلى الرغم من صعوبة وضع الضوابط على الأفراد، فهي أسهل على الشركات، ولا سيما في مرحلة تحويل الأصول إلى أموال. وتعمل مختلف الدول على خلق إطار تشريعي حديث لمثل هذه العمليات. ففي أميركا هناك “قانون الوضوح”. وفي أوروبا قانون “ميكا” Markets in Crypto-Assets Regulation. وتهدف هذه القوانين، بشكل أساسي، إلى ترخيص شركات العملات المشفرة، وتنظيم العملات المستقرة (Stablecoins)، والإفصاح والشفافية، وحماية أموال العملاء، ومكافحة إساءة استخدام السوق.

المشكلة أن هيئة الأسواق المالية لا تزال غائبة عن الساحة في قضايا أقل إشكالية وتعقيدًا بكثير، وأسهل بما لا يُقاس، حيث ما زالت تنتظر عشرات الشركات المالية الترخيص لبدء العمل منذ سنوات. ورغم الوعود التي أُطلقت مع الهيئة الجدية بتسريع البت بالطلبات والمعاملات، فإنها لم تبصر النور لغاية كتابة هذه السطور. وهو الأمر الذي يحبط التوقعات والآمال بالدخول في قطاع العملات المشفرة والرقمية، ووضع إطار ضابط وفعال لآلية العمل في المستقبل القريب.

البعض يرى أن تشريع التعامل وتنظيمه وإمكانية ضبطه، يفقد العملات المشفرة هدفها ودورها. فيما يعتبر البعض الآخر أنه، في ظل التحديات المالية القائمة، فإن ترك هذا القطاع يأخذ في النمو خارج إطار الرقابة، سيكون مسببًا للكثير من المشاكل والاختلالات في الأنظمة المالية والاقتصادية على حد سواء. وبين الرأيين يبقى أن امتلاك مفاتيح الحظر على المحافظ المالية، مرحليًا، يعني أن المواجهة لم تعد محصورة في البنوك التقليدية أو التحويلات المصرفية، بل انتقلت إلى فضاء العملات المشفرة، ولبنان قد يكون في عين العاصفة.