المرونة في الاستجابة لسلوك المستهلكين.. الفرق الشاسع بين “ماكدو” ولبنان

المستهلكين

قبل 78 عاماً، أعادت ماكدونالدز اختراع طريقة إنتاج الطعام. وبعد أعوام قليلة، سوف يندهش راي كروك بإبداع الأخوين ديك وماك ماكدونالد، اللذين ابتكرا نظاماً يشبه خط التجميع للوجبات، مع خدمة سريعة وتوحيد شديد للعمليات. وسوف يحوّل كروك هذا النموذج إلى نظام قابل للتكرار على نطاق وطني، ثم عالمي. وبعدما اعتقد الجميع أن السنين طوت صفحة التغييرات الكبيرة، تعيد ماكدونالدز حديثاً اختراع مفهوم جديد للوجبات السريعة استجابة لرغبات المستهلكين والاقتصاد.

مع توسع الضواحي الأميركية في خمسينيات القرن المنصرم، وزيادة الاعتماد على السيارة، وهما تحوّلان ترافقا مع نمو دخل الأسر والاستهلاك، ارتفعت الحاجة إلى وجبات أسرع وأكثر ملاءمة للحياة المتنقلة. فتطور مفهوم الوجبات السريعة، أو FAST FOOD. وكانت ماكدونالدز من أوائل الشركات التي التقطت هذه اللحظة. ألغت خدمة الـcarhops، وقلّصت القائمة، وحوّلت إعداد الطعام إلى نظام شبه صناعي أطلقت عليه “”Speedee Service System””. وكانت النتيجة طعاماً سريعاً، موحّداً، رخيصاً وسهل الحمل.

تغير نمط الاستهلاك

ما ظل يتلاءم لسنوات طويلة مع نمط العيش، بدأ يتغير بشكل جذري مؤخراً، مع تغير التوجه السائد في أنماط استهلاك الغذاء. فسلاسل الوجبات السريعة، ومن بينها ماكدونالدز، بدأت تستثمر في وجبات غنية بالبروتين، إلى جانب تلك الغنية بالدهون المشبعة والسكريات. وقد أتى هذا التحول استجابة لاتجاه ملايين المستهلكين نحو أدوية إنقاص الوزن من فئة GLP-1. وأعلنت ماكدونالدز هذا الأسبوع أنها ستطرح خيارات وصفتها بأنها صحية وغنية بالبروتين، تشمل شطائر ولفائف الدجاج المشوي وقطع البيض.

قرون استشعار مطاعم الوجبات السريعة التقطت، بشكل أسرع، التبدلات في سلوك المستهلكين، مستندةً إلى الإحصاءات والأرقام. فقد وجد بحث نُشر في Journal of Marketing Research أن الأسر التي يوجد فيها مستخدم واحد على الأقل لأدوية GLP-1 خفّضت إنفاقها على مطاعم الوجبات السريعة والمقاهي والمطاعم بنحو 8% خلال الأشهر الستة الأولى من بدء استخدام الدواء.

هذا التحول المهم في مفهوم الوجبة السريعة، الذي ساهم في دفعه الانتشار الكبير لأدوية GLP-1، يؤثر فعلياً في اقتصاديات الشهية. وهو ما دفع صناع الوجبات السريعة إلى إعادة تعريف ما تعنيه “الوجبة”. لكن إعادة التعريف لا تعني التنازل عن الدور التقليدي، بقدر ما تعني الاستجابة لسلوك المستهلكين، والمحافظة على استمرارية الأعمال ونموها، والأهم التحسب للمستقبل.

التوقعات المستقبلية

بين عام 2022، الذي شهد تسارع الانتشار الجماهيري لاستخدام أدوية كانت مخصصة أساساً لعلاج السكري ثم أصبحت تُستخدم على نطاق واسع لإنقاص الوزن، واليوم، تضاعفت أعداد من يستخدمون هذه العقاقير. وبحسب مؤشر غالوب الوطني للصحة والرفاهية، بلغت نسبة البالغين الأميركيين الذين يستخدمون أدوية GLP-1 لإنقاص الوزن نحو 11% في عام 2026، مقارنةً بـ3% في عام 2024. وهذا يعني نحو شخص واحد من كل تسعة بالغين أميركيين. كما بلغت نسبة الذين استخدموها في مرحلة ما من حياتهم 15%، وفقاً لـ “غالوب”. وتزامن هذا الانتشار الواسع مع تراجع معدل السمنة في الولايات المتحدة، وفق قياس غالوب، ليصل إلى 36.4% عام 2026، مقارنةً بـ39.9% في ذروة عام 2022.

الكلفة الصحية

التحسب للمستقبل لا يقتصر على الزيادة النسبية في أعداد مستخدمي هذه العقاقير، وإنما يستند أيضاً إلى مؤشرين آخرين لا يقلان أهمية.

  • الأول، أن الغالبية العظمى من الأميركيين، أي 90%، أصبحت على دراية بأدوية GLP-1 المخصصة لإنقاص الوزن. وهي نسبة ارتفعت مقارنةً بمستوى الوعي الذي بلغ 80% في عام 2024، أي قبل عامين فقط.
  • والثاني، حجم الإنفاق الصحي الأميركي، الذي تجاوز متوسطه 15 ألف دولار للفرد سنوياً، فيما وصل إجمالي الإنفاق على الصحة إلى نحو 5.66 تريليون دولار في العام الماضي، مع توقع تجاوزه 6 تريليونات دولار هذا العام.

الرغبة الفردية في اتباع نظام صحي لا يسبب السمنة، تترافق، إذاً، مع رغبة عامة في خفض فاتورة الإنفاق الصحي، التي تجعل الولايات المتحدة الدولة الأعلى إنفاقاً على الرعاية الصحية في العالم. ويذهب جزء كبير من هذه الفاتورة إلى مشكلات ترتبط بالسمنة، مثل مشكلات المفاصل والظهر والنوم، وارتفاع مستويات الدهون في الدم، وأمراض القلب والسرطان، وصولاً إلى السكري، حيث افاد  13.5% من البالغين الأميركيين في العام 2026 بأنهم شُخّصوا بالإصابة بالسكري، وفق بيانات “غالوب”.

من سؤال كيف نجعل الناس يحصلون على الطعام بسرعة، وبسعر منخفض وبالجودة نفسها في كل فرع، في الأربعينيات والخمسينيات، إلى الاستجابة للتغيرات في الأنماط الاستهلاكية وتقديم خيار يناسب الحالة الغذائية الجديدة للمستهلك، تبرز أهمية القطاع الخاص ومرونته.

مرونة القطاع الخاص وجمود العام

فـGLP-1، الذي غيّر عادات المستهلكين لأسباب فسيولوجية وإرادية، دفع المؤسسات الخاصة إلى تغيير ما تقدمه لهم، حتى لا يخرجوا من منظومتها. وبقدر ما تدور القصة حول كيفية تأثير تغير بيولوجي في شهية ملايين المستهلكين في إجبار واحدة من أكبر شركات الأغذية في العالم على إعادة التفكير في منتجها الأساسي، بقدر ما تمثل درساً للدول، ومنها لبنان بشكل خاص.

خروج نحو ثلث مستهلكي مؤسسة كهرباء لبنان، وبعدد قد يتجاوز 300 ألف مشترك من أصل نحو مليون مشترك، من عتمة معاملها إلى نور الطاقة البديلة، لم يحفزها بعد على التغيير بالسرعة المطلوبة. وبدلاً من تطبيق قانون إنتاج الطاقة المتجددة والموزعة، المعطوف على القانون 462، وتحفيز القطاع الخاص على إنتاج الطاقة من مصادر بديلة وبيعها، ما زالت الخطوات العملية تسير ببطء شديد. والأمر نفسه ينسحب على المعاملات الرسمية، والاتصالات، والمياه، والطيران، وكل ما يدور في فلك احتكار القطاع العام وجموده، مقابل مرونة القطاع الخاص وسرعة تكيفه.

الافتراض أن سلاسل ماكدونالدز لم تكن تاريخياً تبيع الطعام فقط؛ بل كانت تبيع نموذجاً غذائياً متوافقاً مع نمط الحياة الأميركي السائد. اضطرت إلى تغيير لائحة الطعام، مع تغير النمط. ومن هنا، فإن على الدول أن تترك للقطاعات الخدماتية والإنتاجية مساحة أكبر للتحرك، وأن تسمح لمن يملك المرونة والتقنيات والسرعة والإدارة الرشيدة بأن يعمل فيها، حفاظاً على مصالح مواطنيها؛ ليس من السمنة، كما في حالة ماكدونالدز، وإنما من الموت جوعاً.