النزاع يشتعل بين المالكين و المستأجرين والقانون يبقى ضحية الفوضى

المستأجرين

تزداد حدة النزاعات بين المالكين وقدامى المستأجرين كلما اقتربنا من تاريخ 28 شباط 2026، إذ في هذا التاريخ، المصادف يوم السبت المقبل، ستتحرر الإيجارات السكنية القديمة وفقًا للقانون رقم 2 الصادر عام 2017. وعلى هذا الأساس، يتوجب على قدامى المستأجرين إخلاء المأجور أو الاتفاق مع المالك على عقدٍ حرٍّ جديد.

بعد نحو 86 عامًا من التمديد القسري لعشرات آلاف عقود الإيجار القديمة، وصدور العديد من القوانين الناظمة منذ بداية التسعينيات، ما زال هذا الملف محل نزاع. فهو، من جهة، يمثل ظلمًا مستفيضًا بحق أصحاب الملك الذين يعجزون عن استرداد حقهم الخاص المكفول بالدستور، ويتقاضون الفتات بدل إيجاره. أما من جهة ثانية، فتعلو الأصوات المطالبة بحق السكن المكفول أيضًا بالدستور وبشرعة حقوق الإنسان، لعائلات لا تملك بدائل.

المستأجرون يطالبون بتعليق التطبيق

على بُعد خمسة أيام من دخول القانون رقم 2/2017 حيّز التنفيذ، برزت مطالبة رئيس “تجمع المحامين للطعن وتعديل قانون الإيجارات”، المحامي أديب زخور، بتعليق تطبيق القانون إلى حين اكتمال عناصره كافة. وبرأيه، فإن عدم إنشاء صندوق التعويضات يشكّل خللًا يحول دون تطبيق القانون. ويترافق ذلك مع “عدم إنشاء اللجان وتأليفها وعملها أصولًا، لا منذ العام 2014 (تاريخ صدور قانون الإيجارات الأساسي)، ولا في العام 2017 (تاريخ تعديل قانون 2014)، إضافة إلى عدم إنشاء وتمويل الصندوق، وهو الركيزة الأساسية لقانون الإيجارات”. ومما زاد في البلبلة، وعمّقها من وجهة نظر زخور، “توجيه الإنذارات والدعاوى بغير وجه حق إلى المستأجرين، وإدخال عشرات آلاف المواطنين في نزاعات وإجراءات، ما يتسبب بنزاعات قانونية وقضائية كبيرة في المحاكم وبين المواطنين، من دون أي توجيه أو مرجعية لتوضيح الخلاف الناشئ، الأمر الذي يستوجب تدخل المجلس النيابي لتجنيب الفوضى وإغراق المحاكم والمواطنين بدعاوى لا طائل منها”.

النقابة تستغرب!

من جانبها، استغربت نقابة مالكي الأبنية والعقارات المؤجرة في لبنان مطالبة الجهات المدافعة عن حقوق المستأجرين بوقف تنفيذ القانون أو تمديده، في الوقت الذي يكرّرون فيه القول إنّ “مواد القانون معلّقة”. وتساءلت: إذا كان القانون، بحسب زعمهم، غير نافذ، فما مبرّر المطالبة بتعديله أو التدخّل فيه؟

وبرأي النقابة، فإنّ هذا “التناقض يطرح علامات استفهام جدّية حول الخلفيات الحقيقية لهذه المطالب”. واعتبرت أنّ بعض الأصوات المطالِبة بالتمديد تمثّل عمليًا، بحسب تعبيرها، “مستأجرين مستفيدين منذ سنوات طويلة من إشغال شبه مجاني على حساب المالكين، ومن بينهم محامون يُفترض أن يكونوا في طليعة المدافعين عن حسن تطبيق القانون، لا الساعين إلى إطالة أمد الاستفادة غير المتوازنة”.

وعليه، أعلنت نقابة المالكين رفضًا قاطعًا لأي محاولة جديدة لتمديد مفاعيل الاستفادة على حساب حقوق المالكين، الذين تحمّلوا طوال عقود أعباءً استثنائية نتيجة اختلال التوازن في العلاقة التأجيرية، معتبرةً أنّ الحل الوحيد هو احترام القانون وتطبيقه كما هو، وتثبيت المهل القانونية بوضوح، وصون دولة القانون والمؤسسات بعيدًا من الضغوط والقراءات الانتقائية.

حجة الصندوق

في المقابل، يستند قدامى المستأجرين في مطالبتهم بتأجيل مفاعيل الإخلاء إلى عدم تفعيل “صندوق دعم المستأجر” المنصوص عليه في القانون. فبحسب النص القانوني، يُنشأ صندوق في وزارة المالية لمساعدة المستأجرين الذين لا يتجاوز دخلهم الشهري خمسة أضعاف الحد الأدنى للأجور، عبر المساهمة في دفع فرق الإيجار الذي يرتفع تدريجيًا حتى السنة التاسعة ليصبح موازيًا لبدل المثل. وتتكوّن واردات الصندوق من مساهمات الدولة والهبات والتبرعات، كما تُشكَّل لهذه الغاية لجان متابعة وتنسيق وتحقّق. إلا أنّ هذه اللجان لم تتمكن من ممارسة عملها في ظل عدم إنشاء الصندوق وتمويله.

وفي هذا السياق، يقول زخور إنّ “نشوء الصندوق وتمويله أمر مستحيل حاليًا في ظل العجز المالي للدولة وغياب مصادر التمويل”، مطالبًا رئيس مجلس النواب نبيه بري بـ”التمديد ثلاث سنوات لجميع المستأجرين، المستفيدين وغير المستفيدين من الصندوق، مع زيادات تتناسب مع الحد الأدنى للأجور، لتجنيب الفوضى التي يتخبط بها المواطنون”. كما دعا إلى وضع مشروع مقتضب وواضح جدًا على جدول أعمال مجلس النواب للتصويت عليه بصفة المعجّل المكرّر، لإزالة أي لبس في مسألة التمديد وتنظيم العلاقة التعاقدية بين المالك والمستأجر، وتعليق العمل باللجان والصندوق إلى حين الانتهاء من تعديل القانون ضمن خطة إسكانية واضحة.

المحاكم هي الفيصل

على النقيض من ذلك، لا ترى نقابة المالكين أي حاجة إطلاقًا لأي إجراء استثنائي أو تشريعي إضافي يتعلّق بقانون الإيجارات السكنية، سوى تثبيت احتساب المهل القانونية اعتبارًا من عام 2014، وهو التاريخ الذي بدأ فيه نفاذ القانون وفق القراءة القانونية التي تتمسّك بها. كما تؤكد عدم صحة مقولة تعليق القانون، وتشدد على أنّ المرجعية الصالحة والوحيدة للبتّ في مسألة سريان القانون واحتساب مهله هي المحاكم المختصة.

إذًا، وباختصار، تبدو الفوضى سيّدة الموقف. ووسط تبادل النيران بين المالكين وقدامى المستأجرين، الذين أصبح معظمهم من الوارثين، يبقى القانون وحده من يحترق. فهذه الشرعة، التي يُفترض أن تنظّم حياة المواطنين وتفصل في الخلافات في ما بينهم، ما زالت نسبية في تطبيقها. وحتى عندما تصدر بعد انتظار طويل، يبقى تنفيذها مرهونًا بالمراسيم التطبيقية، وعدم صدور الأخيرة يعرّضها للطعن. وهكذا تستمر الأمور من دون حل، في ملف الإيجارات كما في العديد من الملفات الأخرى.