شهدت ميزانية مصرف لبنان للنصف الثاني من آذار 2026 دلالات ملحوظة على حجم تأثر الاقتصاد اللبناني بالحرب التي أُدخل فيها لبنان في الثاني من آذار. وبينت من الجهة الأخرى عن توازنات نقدية دقيقة ما زالت قادرة على امتصاص صدمة الحرب تأثيرها الكبير والشامل.
احتياطي العملات الأجنبية، الذي بدأ باستعادة عافيته منذ العام 2023، وشكّل صمام أمان للتعويض على المودعين في أي خطة اقتصادية مستقبلية، بدأ بالتراجع. فخسر في النصف الأول من آذار نحو 212.3 مليون دولار، واستمر التراجع في النصف الثاني بقيمة قاربت 135 مليون دولار. وعلى هذا الأساس، بلغت قيمة الاحتياطي في 31 آذار نحو 11 مليارًا و534 مليون دولار، بعدما كانت قد قاربت 11.9 مليار دولار قبل شهر واحد، وتحديدًا في نهاية شباط. ويعود هذا التراجع بشكل أساسي إلى مساهمة المركزي في تسديد أموال المودعين عبر التعميمين 158 و166، حيث تصل الكلفة الشهرية لهذه التعاميم التي يستفيد منها نحو 494933 مودع، نحو 410 ملايين دولار، يتحمل المركزي الجزء الأكبر منها، إما من خلال التسديد المباشر، وإما من خلال مساعدة المصارف عبر التسهيلات أو عبر آليات محددة، مثل تأمين دولارات أو تنظيم السحوبات.
دولارات لا تدخل الاقتصاد
المشكلة أن الأموال التي تُدفع بالتعاميم، والتي جرى دولرتها بالكامل ابتداءً من شباط 2024، ومن ثم زيادتها على مراحل، لم تأخذ مخاطر السوق السياسية والأمنية بعين الاعتبار. ولعل الأخطر أن التجربة بيّنت أن هذه الأموال لا يُعاد ضخها في الأسواق، بل يجري تخزينها أو تحويلها إلى الخارج، وبالتالي لا تساهم في ضخ الدولار في الأسواق.
وللتذكير فقط، فقد ألغى مصرف لبنان في شباط 2025 تقاضي جزء من الأموال بالليرة، بحسب التعميم 158، ورفع قيمة السحوبات إلى 500 دولار. ومن ثم عاد في الأول من تموز 2025 إلى رفع قيمة السحوبات إلى 800 دولار. وفي تشرين الثاني 2025 جرى رفع قيمة السحوبات إلى 1000 دولار، على أن توضع 200 دولار في حساب البطاقة.
أما فيما خص التعميم 166، فقد حل مكان التعميم 151 للتعويض على الودائع الدولارية المشكلة قبل تشرين الأول 2019، والتي كانت تُدفع بالليرة على سعر صرف 15 ألف ليرة، وبمعدل حدّه الأقصى 1600 دولار شهريًا. وقد صدر التعميم 166 في 2 شباط 2024، ونص على استفادة المودع من 150 دولارًا فقط بالعملة الأجنبية. ومن ثم جرى رفع قيمة السحوبات إلى 400 دولار في حزيران 2025، ومن ثم إلى 500 دولار في تشرين الثاني 2025، على أن يتقاضى المودع 400 دولار نقدًا، وتوضع 100 دولار في حساب البطاقة.
وعلى ما يبدو، فإن اشتراط وضع 200 دولار في التعميم 158 و100 دولار في التعميم 166 في حساب البطاقة، أدى إلى إنفاقها من قبل المستهلكين على المشتريات، والاحتفاظ بالمبالغ المتبقية، ما حرم السوق من الدولارات التي تناقصت بشكل واضح مع بدء الحرب في مطلع آذار الفائت.
التوازن مستمر في السوق
بالجانب الإيجابي، كان من اللافت، على جانب المطلوبات، استمرار التراجع في الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية، إذ وصلت إلى 66 ألفًا و241 مليار ليرة، أو ما يعادل 740 مليون دولار. ويعود هذا التراجع إلى السياسة الدقيقة التي أرساها المركزي منذ العام 2023 بالعاون بين عدد من المصارف ومجموعة من الصرافين للحفاظ على سعر الصرف من دون تحميل الدولة أي كلفة.
وتبرز أهمية هذا التراجع بإزالة الضغط عن سعر الصرف. فلطالما ارتبط تدهور سعر صرف الليرة بشكل موازٍ مع زيادة الكتلة النقدية في السوق منذ بدء الانهيار. وكلما كانت هذه الكتلة تزداد، كان سعر الصرف ينخفض، حتى وصل إلى حدود 130 ألف ليرة مطلع العام 2023، بالتوازي مع وصول الكتلة النقدية بالليرة إلى أكثر من 80 ألف مليار ليرة. ويمثل التوازن في سوق القطع أهمية بالغة لحماية المواطنين من التضخم، والحفاظ على القوة الشرائية للمداخيل المقومة بالليرة بشكل أساسي.
وعلى صعيد الذهب، تراجعت قيمة الاحتياطيات لغاية نهاية آذار إلى 42 مليار دولار، نتيجة تراجع أسعار الذهب عالميًا.
وكان من اللافت في هذه ميزانية النصف الثاني من آذار بدء ودائع القطاع العام بالتراجع. صحيح أن هذه النسبة ما زالت بسيطة، لا تتجاوز 1%، من 9 مليارات و290 مليون دولار في نصف آذار إلى 9 مليارات و215 مليون دولار في نهايته، إلا أنها لا تبشر بالخير. وهي تهدد ببدء استنزاف الودائع، ومن الصعب إعادة تعويضها في ظل كل المطالب بالتوقف عن سداد الضرائب والإعفاءات، وتراجع الأداء الاقتصادي بشكل كبير، وبالتالي تراجع قدرة الدولة على الجباية.
