السرعة والتوافر تقلبان سوق النفط “رأسًا على عقب” وتُنذران بتشوهات اقتصادية

النفط

في تطور غير اعتيادي يعكس عمق الاضطراب في سوق النفط، أقفل خام غرب تكساس الأمريكي الوسيط، يوم أمس، على سعر قياسي بلغ 111 دولارًا للبرميل. المفارقة لا تكمن في التجاوز النادر لهذا الخام عتبة المئة دولار للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، إنما في تفوقه على سعر خام برنت، الذي سجل 108 دولارات للبرميل.

لا يمكن إلا التوقف مليًا عند هذه الإشارة، فهي ليست مفارقة سعرية عابرة، إنما تحوّل هيكلي خطير في توازن السوق العالمي، من وجهة نظر الباحث الاقتصادي المتخصص في شؤون الطاقة، عامر الشوبكي.

الندرة اللحظية

تقليديًا، يُسعَّر خام برنت أعلى من خام غرب تكساس الوسيط، لكونه المرجعية العالمية المرتبطة بالتجارة البحرية، بينما يرتبط الخام الأمريكي بعوامل داخلية ولوجستية. لكن ما نشهده اليوم هو انقلاب في هذه المعادلة، حيث ارتفعت قيمة البراميل القريبة زمنيًا في السوق الأمريكية بشكل حاد، نتيجة ضغط غير مسبوق على الإمدادات الفورية.

هذا التحول «يعكس دخول السوق مرحلة التشوه والندرة اللحظية»، برأي الشوبكي، «حيث لم يعد الخطر في نقص الإنتاج الكلي، بل توسّع إلى القدرة على تأمين البراميل المطلوبة فورًا». فمع تعطل مضيق هرمز وارتفاع الطلب العالمي على الإمدادات السريعة، بدأت الولايات المتحدة تلعب دور «المزوّد الطارئ» للأسواق، ما أدى إلى سحب مكثف من المخزونات القريبة ورفع أسعار العقود الفورية.

أزمات أعمق

الأخطر في هذا المشهد، بحسب الشوبكي، هو أن «هذا النمط من التسعير غالبًا ما يسبق أزمات أعمق في سلاسل التوريد، خاصة في المشتقات النفطية مثل الديزل، التي تشكّل العمود الفقري للنقل والصناعة والزراعة. ومع ارتفاع تكاليف الطاقة، تبدأ موجة تضخمية جديدة بالانتقال تدريجيًا إلى مختلف القطاعات الاقتصادية».

تفوق خام غرب تكساس الوسيط على برنت استمر لليوم الثاني على التوالي، حيث افتتحت الأسواق اليوم على سعر 111.54 دولارًا للخام الأمريكي مقابل 109 دولارات لبرنت. وهو ما يدل على أن السوق العالمي فقد توازنه التقليدي، برأي الشوبكي، «مما يتوجب قرع جرس إنذار مبكر، وأننا أصبحنا أمام مرحلة قد تعيد رسم خريطة تدفقات الطاقة عالميًا، وتفرض واقعًا جديدًا تتقدم فيه اعتبارات السرعة والتوافر على حساب الكفاءة والتكلفة».

الفرق بين “برنت” و”غرب تكساس”

لطالما كان خام برنت هو المؤشر الأكثر اعتمادية وموثوقية لتسعير النفط العالمي. والأمر لا يرتبط بأسباب تاريخية وانتشار جغرافي فحسب، إنما أيضًا لأسباب تقنية جعلت من هذا الخام سهل التداول. فبرنت يُنتج من بحر الشمال، وتحديدًا من المملكة المتحدة والنرويج، مما يجعله قريبًا من ممرات الشحن العالمية، ويسهل تصديره عبر البواخر والناقلات إلى مختلف دول العالم. وقد أدى تداول هذا الخام بكثافة في الأسواق العالمية إلى تعزيز شفافية السعر، وجعله أداة للمستثمرين تُستخدم في العقود الآجلة والمشتقات المالية لتوقع الأسعار والتحوط.

في المقابل، فإن خام غرب تكساس الوسيط، رغم جودته العالية وانخفاض نسبة الكبريت فيه، ظل يتأثر بالعوامل الداخلية الأمريكية المرتبطة بالمخزون والإنتاج المحلي، أكثر من العوامل العالمية التي تؤثر على برنت. ولذا، غالبًا ما كان سعره أدنى من خام برنت بنسبة ملحوظة.

المخاطر المستقبلية

إذا استمرت هذه الظروف التي تتسبب بها حرب إيران، وما يرافقها من تعطّل لمضيق هرمز، فإن «الأسواق قد تواجه اختبارًا حقيقيًا لقدرتها على الحفاظ على استقرار الإمدادات، مع مخاطر ارتفاع أسعار إضافي في ظل بيئة جيوسياسية معقدة وغير قابلة للتنبؤ»، بحسب الشوبكي.

وعلى صعيد الولايات المتحدة فإن ارتفاع سعر خام غرب تكساس الوسيط أتى في الوقت الذي قفز فيه سعر غالون البنزين (3.785 لتر) من حدود 2.7 دولار إلى نحو 4 دولارات خلال آذار، ما يمثل زيادة بنسبة 48.8% في غضون أيام. وكانت آخر مرة دفع فيها سائقو السيارات في الولايات المتحدة هذا المبلغ، بصورة مجمعة في محطات الوقود، قبل نحو أربعة أعوام مع بداية الحرب الروسية–الأوكرانية، وفق إحصاءات نادي السيارات «إيه إيه إيه». ويُذكر أن هذا السعر المسجل حاليًا عند 4.02 دولار للغالون هو متوسط وطني، ما يعني أن السائقين في بعض الولايات يدفعون منذ فترة ما يزيد على 4 دولارات للغالون.

من المنتظر أن ينعكس ارتفاع أسعار المحروقات ارتفاعًا في مختلف السلع والخدمات، وسيظهر جليًا في تقارير مؤشر أسعار المستهلك، ما ينذر بعودة التضخم إلى الارتفاع، وتبديد الجهود الهادفة إلى خفضه إلى حدود 2% أو ما دونها.

 ولا تقف المخاطر عند هذا الحد، بل ستنعكس أيضًا على قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي فيما يخص سعر الفائدة، حيث قد يتجه إلى الاستمرار في التثبيت، في أحسن الأحوال، لغاية نهاية العام عند مستوى يتراوح بين 3.5% و3.75%. مع العلم أن المؤشرات وتصرفات المستثمرين تشير إلى توقع رفع أسعار الفائدة لكبح جماح التضخم.

ومن شأن أي زيادة في الفائدة أن تزيد الأعباء على الموازنات وعلى الخزينة العامة بشكل أساسي، حيث يتخارج المستثمرون من السندات القديمة مقابل الاكتتاب بسندات جديدة بفائدة أعلى، ما يكبد الخزينة مبالغ إضافية، لا سيما أن حجم الدين الأمريكي وصل إلى نحو 39 ألف مليار دولار، وهو في ازدياد مستمر، خاصة مع استمرار الحرب وما تتكبده الخزينة من نفقات.

التنافس في الحصول على النفط قلب المعادلة المُرسَّخة منذ أعوام رأسًا على عقب، مما يهدد التوازنات الاقتصادية داخل الولايات المتحدة الأمريكية وبقية الدول، لفترات طويلة قد تمتد آثارها إلى ما بعد الحرب لفترة زمنية طويلة.