صمود الليرة وسط اضطراب العملات ليس صدفة… فهل يدوم الاستقرار؟

الليرة

لا تُميّز أسعارُ الصرف بين عملة اقتصاد قوي وأخرى ضعيفة في أوقات الأزمات. فالحروب تضرب دُرّةَ تاجِ الاقتصادات، كـ«منايا» زهير بن أبي سلمى: «من تُصبْ تمِتْه، ومن تُخطئ يُعمَّر». وقد كُتب العمرُ المديد لليرة اللبنانية عند ما يُناهز 89,500 ليرة مقابل الدولار، وذلك على الرغم من تطاير الصواريخ من حولها، وبدء توسّع التصدّعات في أساسات الاقتصاد، وتشظّي التحويلات النقدية. وهو ما بدأ يطرح تساؤلات جدّية عن مصير سعر صرف الليرة. فلا يكاد يلتقي اثنان إلا ويكون الدولار ثالثهما؛ ليس من باب الاستفسار عمّا إذا كان سيرتفع أم لا، بل من زاوية استشراف المهلة الزمنية للتغيّر.

كلّ العملات تصبح عرضةً للتقلّبات في أوقات الأزمات العابرة للقارات. وقد تكون الأسباب كثيرةً ومتشعّبة، لكنّ أهمّها، للتبسيط، هو زيادة الطلب على العملات الأجنبية، سواء بشكل مباشر أو عبر الأدوات المالية، مقابل التخلّص من العملة الوطنية. ويدفع هذا الحراك، الذي لا يهدأ ليلًا ونهارًا، إلى حدوث خضّاتٍ ومضاربات. كما تضطرّ الحكومات إلى التدخّل درءًا للفوضى وإبعاد شبح التضخّم.

تدهور أسعار صرف بعض العملات

اليابان، المصنّفة ضمن أقوى سبع اقتصاديات في العالم (G7)، رفعت من حدّة تحذيراتها في سوق الصرف الأجنبي، حيث انخفضت عملتها مقابل الدولار من حدود 153.7 ين قبل حرب إيران إلى 160 ينًا حاليًا. وفي الموازاة، يحاول اليوان الصيني التقاط أنفاسه بعد تداوله على ارتفاع بنحو 37 نقطة أساس في آخر جلسة، وبلغ سعر صرفه مقابل الدولار 6.8930 يوانًا.

أمّا المشكلة الأكبر فتواجه العملات الأضعف؛ إذ انخفض الجنيه المصري مقابل الدولار بنحو 14% خلال آذار الماضي إلى 54.5 جنيهًا، بعدما كان يتداول عند 46 جنيهًا مطلع العام الحالي. فيما اضطرت تركيا إلى التدخّل، بائعةً نحو 30 مليار دولار للحفاظ على استقرار الليرة.

مصير الليرة بين الأمس واليوم

إزاء هذا الواقع، لا يعود استقرار الليرة مستغربًا فحسب، بل مدعاةً للخوف. فالمواطنون عمومًا، والمودعون خصوصًا، الذين اكتووا بـ«حليب» تثبيت سعر الصرف عند 1,500، ينفخون على «لبن» الاستقرار الحالي. وهم يخشون أن يكون هذا الاستقرار على حساب ما تبقّى من أموالهم.

الفرق بين التثبيت المصطنع لليرة بين عام 1998 ولغاية الانهيار في عام 2019، وبين الاستقرار الحالي الذي تشهده العملة الوطنية، كبير، بحسب ما تلفت أوساط متابعة. فسعر 1,500 ليرة كان مبالغًا فيه بشكل كبير. وقد نصح صندوق النقد الدولي لبنان مبكرًا بالتخلّي عن هذا السعر قبل مؤتمر باريس 1 في عام 2001، بحسب ما يذكر فؤاد السنيورة في كتابه الدين العام اللبناني، التراكم والتأثيرات السلبية. ذلك أن كلفة تثبيت العملة آنذاك كانت أقل من كلفة عدم الاستقرار وعدم تحقيق الانصهار الوطني. إلا أن استمرار هذا التثبيت، بالتزامن مع كل الخضّات التي مرّ بها لبنان منذ اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري عام 2005، مرورًا بأحداث أيار، ووصولًا إلى التعطيل السياسي، أصبح مرهقًا جدًا. مما دفع المصرف المركزي إلى اتباع هندسات مالية قائمة على جذب الدولارات من المصارف بكلفة مرتفعة ولآجال طويلة للمحافظة على الثبات، في حين أن الودائع قصيرة الأجل؛ وهو ما أوصلنا لاحقًا إلى ما أصبح معروفًا، بل محفوظًا عن ظهر قلب.

آلية الاستقرار

في المقابل، فإن الاستقرار الحالي في سعر صرف الليرة عند سعر  يتراوح بين 89,500 و97,000 ليرة مقابل الدولار، يقوم على آلية وُضعت في منتصف عام 2023 بين المصرف المركزي ومجموعة من البنوك والصرافين، للمحافظة على التوازن في السوق بين الليرة والدولار. وقد ساعد على ذلك طلب وزارة المالية تسديد الضرائب والرسوم نقدًا بالليرة، وتوقّف مصرف لبنان عن طباعة الليرات لتمويل الإنفاق العام، وتحقيق الخزينة فائضًا وصل في نهاية آذار إلى حدود 9.2 مليار دولار، واعتمادها سياسةً انكماشية (الحدّ من الإنفاق)، ولا سيما أن معظم هذه الأموال هي بالليرة.

وتقوم هذه الآلية، ببساطة، على «بيع الليرة اللبنانية للشركات والمؤسسات ضمن ضوابط صارمة، بما يحدّ من المضاربات ويلتزم بأعلى معايير مكافحة غسل الأموال»، كما يقول وزير المالية ياسين جابر في حديث لتلفزيون العربية، مضيفًا: «قد أثبتت هذه الآلية فعاليتها في محطات دقيقة، أبرزها خلال حرب الـ66 يومًا، حيث بقي سعر الصرف مستقرًا». ولعلّ الأهم أن هذه الآلية لم ترتّب أي أكلاف على الدولة؛ بل على العكس، فإن الجهات المولجة تطبيقها هي من تتحمّل الكلفة، وليست الدولة أو مصرف لبنان.

الاستقرار مستمر

وبحسب ما تبين فإن الليرة استطاعت المحافظة على ثباتها، طيلة شهر آذار، ولم يتراجع سعر الصرف الفعلي الاسمي إلا بنسبة 0.14% فقط، مقابل سلة من العملات تضم 21 عملة أساسية. وتعتبر هذه النسبة طفيفة جدًا وهي تعبّر عن حركة أسبوعية طبيعية، لا أثر لها على الاسعار أو الاستهلاك.

دولرة الاقتصاد

إضافة إلى كل ما تقدم، فإن دولرة الاقتصاد بنسبة تجاوزت 97% راهنا مقارنة مع 70 في المئة قبل الانهيار، يجعل تأثير الليرة ضعيفا.  إلا أنه المقابل ترتب نسبة الدولرة المرتفعة ضرورة استمرار تدفق العملة الصعبة على الاقتصاد. وهذه التدفقات ستتعرض للتراجع إذا طالت الحرب لفترة طويلة، وأطبق على لبنان حصارا اقتصاديا. فتحويلات المغتربين التي تصل بحسب التقديرات غير الرسمية إلى نحو 20 مليار دولار سنويا “سجلت تراجعاً ملموساً خلال شهر آذار”، بحسب الوزير جابر، مما دفعه إلى التحذير من أن هذا الانخفاض قد يتفاقم إذا استمرت الحرب واضطرت الشركات في دول الانتشار اللبناني إلى خفض الرواتب أو تقليص عدد الموظفين. وهو ما قد يؤثر على تدفقات العملات الصعبة إلى السوق المحلية”.

يضاف إلى ذلك فإن ما يدفع عبر التعيميم 158 و166، لا يعود بالجزء الأكبر منه إلى الأسواق. فهذه الأموال، إما تخزّن وإما تحول إلى الخارج. ومن هنا فإن الاتجاه مجددا إلى “رفع قيمة السحوبات من التعاميم أو استخدام الاحتياطات بشكل عشوائي، سيقود حتماً إلى استنزاف ما تبقى من مقومات الصمود”، بحسب الباحث المقيم لدى كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال في الجامعة الأميركية، وخبير المخاطر المصرفية الدكتور محمد فحيلي. فـ”المودعون، الذي يقعون في صلب هذه المعادلة، لا يمكن حمايتهم عبر قرارات آنية تعطيهم جزءاً من أموالهم اليوم على حساب مستقبلهم غداً، كم يطفئ الحريق بما تبقى لديه من مياه الشرب”.

الاستقرار المشهود في سعر صرف الليرة اللبنانية مبنيّ حاليًا على آلية مضبوطة، لا تضمن التوازن فحسب، بل تراعي أقصى شروط الامتثال لمكافحة تبييض الأموال والتعامل مع الجهات المشبوهة أو المعرّضة للعقوبات. ونجاح هذه التجربة يتطلّب توسيعها «لضمان عدم طباعة ليرات وضخّها في السوق إلا بمقدار ما يدخل من دولارات إلى الاقتصاد»، بحسب أحد الخبراء؛ ما يعني عمليًا الانتقال، على المدى البعيد، إلى ما يُعرف بـمجلس النقد. وهي التجربة التي اعتمدها مصرف لبنان بشكل جزئي منذ منتصف عام 2023، وعبّر عنها أحد نواب الحاكم بقوله إن المركزي اعتمد، خلال الفترة الماضية، ما يشبه مجلس تثبيت القطع.

هامشية الليرة في التعاملات لا تعني عدم تأثّرها في الاقتصاد والقدرة الشرائية للمستهلكين في حال تعرّضها لأي خضّات. فالدولة تسدّد سنويًا لنحو 320 ألف عائلة ما يقارب 268 ألف مليار ليرة، وأي تراجع في قيمة الليرة لن يقلّص المداخيل، بل سيزيد الأعباء على الدولة، التي ستضطر إلى رفعها أو مواجهة التعطيل مرة جديدة، وبالتالي تراجع إيراداتها. وهذا ما يدفع مجددًا إلى المطالبة بإصلاح القطاع العام بالتوازي مع الإصلاح النقدي، وتخفيف الأعباء التي ترتدّ سلبًا على الاقتصاد.