حشرت مبادرة مصرف فرنسا كل المنظّرين الذين حاولوا الاستفادة من احتياطي الذهب محليا في “بيت الياك”. والبيت الأخير ليس منزلاً، بل الخانة الأكثر إحكاما في لعبة طاولة الزهر، حيث يحاصر اللاعب أحجار خصمه ويمنعها من التحرك. فالمركزي الفرنسي باع احتياطياته الذهبية في الولايات المتحدة، ثم أعاد شرائها، وخزّنها في فرنسا محققا ربحا كبيرا. تاركًا بذلك صانعي السياسة اللبنانيين إلى جانب المنظرين، محاصرين بطروحات غير عملية، بينما ظلت هذه الفكرة بعيدة كل البعد عن إداركهم.
بنيت كل الطروحات حول استعمال الذهب للتعويض عن المودعين، أو الاستثمار في مشاريع البنية التحتية، أو تأمين الخدمات الأساسية على فرضية عدم بيعه. فأتت النتيجة أن رهن جزء منه يوفر مبلغا زهيدًا سنويًا مقارنة بالحاجات الفعلية، فيما اعتُبرت بقية الطرق، مثل التوظيف في الصناديق السيادية أو إصدار أدوات دين بضمانات ذهبية، خطيرة وقد تؤدي إلى ضياعه، خصوصًا في ظل ضعف الحوكمة، وعدم وجود إطار شفاف ورقابة عادلة تضمن استمراره كأصل.
ثلث احتياطيات لبنان في الخارج
على غرار فرنسا والعديد من الدول الأخرى، يخزّن لبنان جزءًا كبيرًا من احتياطياته الذهبية في خزنة Fort Knox في الولايات المتحدة الأميركية. من أصل 286.8 طنًا من الذهب يملكه لبنان، يوجد 95.6 طن، بقيمة تقارب 14.8 مليار دولار بأسعار اليوم (سعر الأونصة 4816 دولارًا) في أميركا. وخطورة هذا الاحتياطي الموجود في الخارج لا تنحصر في سهولة وصول الدائنين الدوليين، من حملة اليوروبوندز، إليه في حال تقديم دعاوى على لبنان أمام محاكم نيويورك، بل تمتد أيضًا إلى صعوبة استرجاعه وتعقيد الإجراءات اللوجستية. هذا عدا عن المبالغ المالية السنوية التي تُنفق على حفظه.
تجارب الدول
تظهر تجارب الدول صعوبات قد تصل إلى حد الاستحالة في استرجاع ذهبها المخزن في الولايات المتحدة. ففي عام 2018، قررت تركيا استعادة احتياطي ذهبها الموجود هناك بهدف التخلّص من ضغوط سعر الصرف واستخدام الذهب مقابل الدولار. لكن وفقًا للمعلومات المنشورة في الصحف التركية، لم تتمكّن من استعادة سوى 29 طنًا من أصل 320 طنًا يملكه المصرف المركزي التركي. وفي عام 2016، طالبت ألمانيا باستعادة نحو 670 طنًا، إلا أنها لم تحصل سوى على 37 طنًا. ونفس الأمر ينطبق على هولندا، التي تخزن نحو 600 طنًا من ذهبها في الولايات المتحدة.
لتفادي كل هذه التعقيدات اللوجستية والسياسية، عمد المصرف المركزي الفرنسي إلى بيع 129 طنًا من احتياطيات الذهب التي كانت مخزنة في الولايات المتحدة، وتمثل 5% من احتياطياته (كانت في نيويورك)، بأسعار قياسية عندما بلغ الذهب ذروته. ثم عاد واشترى سبائك جديدة بمعايير نقاوة أوروبية حديثة بعد تراجع الأسعار قليلًا.. وهذه الخطوة “أصابت عصفوري” استعادة ذهبه وحفظة في خزنة La Souterraine” على عمق عشرات الامتار تحت المصرف المركزي في باريس، وتحقيق ربحا بقيمة 12 مليار دولار، بـ”حجر” بيع احتياطياته بالخارج.
تفويت الفرصة
لو خطرت هذه الفكرة على بال لبنان، وتعاقد على بيع ذهبه في الخارج نهاية كانون الثاني عندما وصل سعر الأونصة إلى 5600 دولار، ثم أعاد شرائها عندما انخفض السعر إلى 4500 دولار في آذار الماضي، لكان حقق ربحًا يتجاوز 3 مليارات دولار، مع الاحتفاظ بكامل احتياطه. وتعتبر هذه الطريقة، القائمة على توظيف فرق ارتفاع الأسعار في شراء كميات جديدة من الذهب أو استخدامه لدعم الاقتصاد، مفيدة وغير مكلفة. كما كانت ستساعد لبنان على إعادة جزء من أموال مودعيه، وتجنّب انخفاض احتياطي المصرف المركزي بمقدار 343 مليون دولار خلال آذار وحده، كما خففت الضغط على سعر الصرف وما قد ينجم عنه من تضخم وانخفاض القدرة الشرائية للمداخيل. وتقع المسؤولية هنا على عاتق المشرّعين، إذ إن القدرة على استعمال الذهب مقيّدة بالقانون رقم 42 الصادر عام 1986. وكان من المفترض، في إطار الحوكمة الرشيدة، اتخاذ إجراءات استباقية، كأن يُعدَّل القانون بما يتيح بيع الكمية الموجودة في الخارج، مع اشتراط التعاقد على إعادة شرائها، أو الاستفادة فقط من فائض الأرباح، وهو ما لم يحصل.
الاستفادة المعقدة
صحيح أنه عند الحديث عن احتياطي الذهب في لبنان تُذكر أن الكمية هي 286.8 طنًا، أي ما يعادل 9 ملايين و221 ألف أونصة. وتدرج قيمة هذا الاحتياطي في ميزانية مصرف لبنان بوصفه الأصل الأهم، وقد وصلت قيمته حتى نهاية آذار الماضي إلى 42 مليار دولار. ويُعد هذا الاحتياطي خط الدفاع الأول في قانون الفجوة المالية، إلا أن القيمة الفعلية للذهب القابل للاستخدام أقل بكثير، وتنحصر في ثلثي الاحتياطي الموجود فعليًا داخل مصرف لبنان.
ومن الناحية السياسية والتقنية، قد يكون من الصعب على لبنان المطالبة بالثلث المخزن في الخارج، وهو محفوظ هناك منذ سبعينيات القرن الماضي، عندما أنهت الولايات المتحدة ارتباط الدولار بالذهب، فيما عُرف وقتها بـ “صدمة نيكسون”، حين أوقفت تحويل الدولار إلى ذهب. فقبل عام 1971، وبناءً على اتفاقية بريتون وودز التي أعقبت الحرب العالمية الثانية (1944)، كان يُسمح للدول بتحويل الدولار إلى ذهب على أساس أن كل 35 دولارًا تعادل أونصة ذهب (Troy ounce، وزنها 31.1035 غرام)، بهدف الحفاظ على استقرار العملات الذهبية ومنع تقلبها. وقد دفع هذا البنوك المركزية حول العالم إلى شراء الذهب وتخزينه، ومن هنا جاءت الاحتياطيات الكبيرة للدول، بما في ذلك لبنان الذي بدأ شراء الذهب منذ عام 1947.
ومع ذلك، تغيرت الظروف مطلع سبعينيات القرن الماضي، وبعد انتهاء الطلب على الدولار لتمويل خطط الإعمار، فلم يعد في مصلحة الولايات المتحدة دفع الذهب بدل الدولار، خصوصًا مع تضخمها وارتفاع نسب البطالة. وبذلك أُوقف العمل بمعيار الذهب. وأصبح استعادة الذهب المخزن في الخارج أمرًا بالغ التعقيد.
بين خزائن Fort Knox في نيويورك وخزائن La Souterraine في باريس، يظل ذهب لبنان كنزًا خامدًا. وتبدو أقبية المركزي في الحمرا وكأنها في خبر كان، شاهدةً على ثروة ضائعة نتيجة الفشل السياسي وضعف الحوكمة، إضافةً إلى غياب الثقة واللايقين، مما يحوّل هذا الذهب إلى مجرد رقم على الورق، ويحول دون استعماله أو استرجاعه من الخارج.
