احتياطيات العملة الصعبة تحت الضغط.. هل يهدد ذلك استقرار الاقتصاد؟

احتياطيات العملة الصعبة

أصيب الاقتصاد اللبناني بانتكاسة كبيرة في العام 2025. فهو لم يكد يلتقط أنفاسة بعد “نزلة برد” الانهيار المالي والنقدي، حتى لفحته رياح الحرب الإسرائيلية مطلع هذا العام، التي تجددت بوتيرة أعنف من دون وجود أي إشارات على تاريخ انطفاء صخبها. مختلف المؤشرات الحيوية عادت لتتباطأ، ومنها بشكل أساسي: احتياطيات العملة الصعبة، وتدفقات العملة الصعبة، وإيرادات الخزينة، منذرة بدخول الاقتصاد اللبناني مرحلة صعبة قد تتحول إلى حرجة إذا ما استمرت الحرب وزادت حدة دمارها.

شكّلت احتياطيات الدولار في مصرف لبنان، وارتفاع الإيرادات العامة، وزيادة التدفقات النقدية، الدعامات الثلاث التي رفعت مظلة الأمان فوق الاقتصاد اللبناني على مدار العامين الماضيين. وقد انعكست هذه المؤشرات تحولًا إيجابيا في ميزان المدفوعات فاق 19.5 مليار دولار بنهاية العام 2025، وتراجعًا في التضخم إلى حدود 12%، واستقرارًا في سعر الصرف عند 89500 ليرة، وتصفيرًا للعجز في موازنتي 2025 و2026 ورقيًا، وتحقيق فائض خزينة فعليًا. والأهم أن هذه المؤشرات رفعت الآمال باقتراب حل الأزمة المصرفية، ونيل الجزء الأكبر من المودعين أموالهم العالقة في المصارف منذ 2019.

مسار الاحتياطيات

ظلت الأمور تسير بسلاسة نسبية حتى بدأت شرارات اندلاع حرب إيران بالتطاير، إقليما وتجدد الصراع مع إسرائيل محليا. فتراجعت احتياطات العملة الصعبة في مصرف لبنان من 12073 مليون دولار في منتصف شباط إلى 11431 مليون دولار في نهاية نيسان، بحسب الميزانية نصف الشهرية الصادرة عن المركزي أخيرًا، مما يعني أن احتياطيات العملة الصعبة تراجعت بقيمة 642 مليون دولار في غضون شهرين ونصف الشهر.

المفارقة أن مسار احتياطيات العملة الصعبة في مصرف لبنان لم يكن تراجعيًا باستمرار، بل شهد ارتفاعًا ملحوظًا في منتصف نيسان إلى 11677 مليون دولار، من 11534 مليونًا في نهاية آذار، محققًا بذلك زيادة بقيمة 143 مليون دولار.

وبحسب التحليل، فإن “هذه الزيادة لم تكن صدفة، بل جاءت نتيجة الإعلان عن وقف إطلاق نار مؤقت في بداية شهر نيسان لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران، وسط ارتفاع التفاؤل بالتوصل إلى إنهاء الحرب الإقليمية بشكل كلي”، تقول مصادر متابعة.

وتضيف المصادر أن هذا التفاؤل “كان من شأنه أن ينعكس أيضًا على إمكانية إنهاء الحرب مع إسرائيل في لبنان، والبدء بالتحضير لهدنة طويلة”.

ويشير المصدر إلى أن الإعلان عن لقاء لبناني–إسرائيلي على مستوى السفراء في واشنطن قبل منتصف شهر نيسان، وتراجع حدة الأعمال العسكرية، وتوقف إسرائيل عن قصف بيروت، وتلمّس اتجاه جدي لحصر السلاح بيد الدولة وحل الميليشيات، وبالتالي نزع فتيل الحرب الحالية وأي حرب مستقبلية، كلها عوامل خففت الضغط في الأسواق وحدّت من الطلب على الدولار، وأثارت الاطمئنان إلى المستقبل، ما انعكس مباشرة على زيادة احتياطيات العملة الصعبة في مصرف لبنان.

إلا أن تعثّر التوصل إلى اتفاق بين طهران والولايات المتحدة، وإعلان الأخيرة تشديد الحصار على إيران بسبب استمرار التوتر في مضيق هرمز، وتراجع منسوب التفاؤل بانتهاء الصراع مع إسرائيل محليًا، وازدياد وتيرة التدمير في الجنوب، أعادت كل المؤشرات إلى نقطة الصفر، بحسب المصدر، وكان من الطبيعي عودة ارتفاع الطلب على الدولار في الأسواق.

تأثير الكتلة النقدية بالليرة ضئيلًا

ما يجري الحديث عنه سياسيًا وعسكريًا يلاقي ترجمته نقديًا؛ إذ إن الكتلة النقدية المتداولة خارج مصرف لبنان تراجعت في نهاية نيسان إلى حدود 62 ألف مليار ليرة، بعدما كانت في نهاية شباط نحو 69,500 مليار ليرة. وهذا الانخفاض، البالغ نحو 7,500 مليار ليرة، قد يكون جزء منه ناتجًا عن زيادة تبديل الليرات بالدولار في السوق.

ومع ذلك، إذا افترضنا أن كل النقص في الكتلة النقدية بالليرة قد جرى تحويله إلى الدولار، فإن قيمته لا تتجاوز 85 مليون دولار، فيما التراجع في الاحتياطي فاق 600 مليون دولار.

وهذا الأمر يؤشر إلى أن الضغط على احتياطيات النقد الأجنبي لا يتأتى فقط من سعر الصرف، بل أيضًا من التعميمين 158 و166 اللذين يساهم المصرف المركزي من خلالهما بدفعات منتظمة، تُقدَّر كلفتها الشهرية بنحو 420 مليون دولار. ويضاف إلى ذلك تراجع الإيرادات العامة خلال آذار بنسبة 40 في المئة، بحسب وزير المالية.

وضع الليرة

كل هذه العوامل، المعطوفة على اللايقين والخوف من عدم انتهاء الحرب في وقت قصير، وتراجع التدفقات النقدية من السياحة، ترخي بثقلها على احتياطيات العملة الصعبة، ليبقى السؤال: هل من خطر على تدهور سعر الصرف؟

لا خوف من انخفاض سعر صرف الليرة مقابل الدولار في القريب العاجل، تفيد أوساط نقدية، من دون أن يكون في الأمر استعادة لمقولة “الليرة بخير” التي تثير قشعريرة اللبنانيين، وذلك لثلاثة أسباب رئيسية لم تكن متوافرة في الفترة الممتدة بين 2019 ومنتصف العام 2023، حين كانت الليرة تشهد انهيارات دراماتيكية.

  • السبب الأول والأهم يتمثل في قطع دابر المضاربة على العملة الوطنية. فقد جرى حصر التعامل في السوق بجهة واحدة موثوقة، نسّقت مع مجموعة فاعلة من المصارف والصرافين، تعمل على بيع الليرة وشراء الدولار من دون أي كلفة على الدولة. وذلك خلافًا للفترة السابقة، حيث غذّت السياسات والفوضى التنافس بين مجموعة من الصرافين وشركات تحويل الأموال على شراء الدولار مقابل عمولات كبيرة، ما أدى إلى ارتفاع سعر الصرف بشكل جنوني، وصل في آذار 2023 إلى أكثر من 130 ألف ليرة مقابل الدولار. ولا ننسى دور المنصات التي كانت تعطي أسعارًا للصرف داخل لبنان وخارجه، لمصلحة أطراف استفادت من شراء الدولار وقتها على الرخيص وبيعه على الغالي. وقد توقفت هذه الفوضى كليًا بعد منتصف 2023، وجرى تنظيم السوق بطريقة احترافية لا تضمن فقط الحد من المضاربة على سعر الصرف، بل أيضًا الحد من تبييض الأموال، عبر اعتماد آليات تراعي متطلبات مكافحة غسل الأموال ومعرفة العميل، والتصريح الدقيق عن العمليات، وعدم التعامل مع أي شركات أو أفراد أو مؤسسات مشبوهة ومعرّضة للعقوبات الأميركية، سواء المعلن عنها أو غير المعلن.
  • السبب الثاني يتعلق بازدياد احتياطيات مصرف لبنان من العملة الصعبة، وتشكّل الكتلة النقدية بالليرة نحو 6% فقط من احتياطي العملة الأجنبية. بمعنى آخر، يمكن شراء كل الليرات في السوق بنحو 693 مليون دولار، وتحويل الاقتصاد إلى الدولرة الشاملة، فينتفي تلقائيًا أي ضغط على الليرة.
  • السبب الثالث يتمثل في زيادة ودائع الدولة في مصرف لبنان، وعدم استعمالها في إطار سياسة التقشف، من أجل تمرير المرحلة بأقل أضرار ممكنة. وقد ارتفعت هذه الودائع لغاية نهاية نيسان الماضي إلى 9 مليارات و324 مليون دولار.

صحيح أن التراجع يبدو كبيرًا في احتياطيات مصرف لبنان، إلا أنه لا يشكل خطرًا على استقرار سعر الصرف، إذ إن نسبة تراجعه لم تتجاوز 6 في المئة. وإذا كان يُنفق لتعويض المودعين في إطار التعميمين، فإن هذا يُعد إنفاقًا في محله، وكان سيُنفّذ عاجلًا أم آجلًا، في سياق إقرار قانون الفجوة المالية الذي كان يجب أن يُقر قبل نهاية نيسان، قبل أن تعرقله الحرب.