زاد خلال سنوات الانهيار الاقتصادي الاهتمام بـ”المعروض النقدي” بشكل كبير. فمن بعد ما كان هذا المقياس، الذي يصدره مصرف لبنان بشكل أسبوعي، “خاملاً” تحت “قشرة” ثبات الليرة، “فقس” مع بدء التدهور النقدي. وتعاظمت الحاجة إلى تحليل وتحديد اتجاهات سعر الصرف، بناءً على ديناميكيات تحرّك الكتلة النقدية بالعملة الوطنية، التي كانت تنمو خلال السنوات الثلاث الأولى باضطراد. ومن بعد استقرارها منذ ما بعد منتصف عام 2023، برز، إلى جانب السؤال التقليدي عن مصير الليرة، سؤالٌ آخر: عمّا إذا كان الاقتصاد اللبناني يتجه إلى الدولرة الكاملة، وما هي أبرز التداعيات التي تترتب على هذا التبدل؟
يتألف المعروض النقدي من خمسة مقاييس أساسية، تتدرّج من النقد المتداول بالعملة المحلية (M0)، مرورًا بالنقد المتداول والودائع بالليرة في المصارف تحت الطلب (M1)، وصولًا إلى كل أنواع الأموال تقريبًا في الاقتصاد، بمختلف العملات السائلة والمدخرة (M4). ويتبيّن أن (M1) ازداد أكثر من عشرة أضعاف، من 9,881 مليار ليرة في نيسان 2019 إلى نحو 99,666 مليار ليرة في نيسان 2026. لكن، في المقابل، تراجعت قيمته من 6.6 مليار دولار إلى نحو 1.1 مليار دولار فقط، نتيجة خسارة سعر الصرف 98% من قيمته، وتراجعه من 1,500 ليرة في عام 2019 إلى 89,500 ليرة راهنًا.
دولرة الاقتصاد
بالتوازي مع تراجع قيمة النقد المتداول والمدخر بالليرة، كانت قيمة الودائع بالعملة الأجنبية تتراجع أيضًا. فقد تراجع مقياس (M3)، الذي يضم، بالإضافة إلى الكتلة النقدية بالليرة، الودائع بالعملة الأجنبية، من نحو 140 مليار دولار في نيسان 2019 إلى 66 مليارًا راهنًا. ويعود هذا التراجع بشكل أساسي إلى انخفاض الودائع بالعملة الأجنبية نتيجة السحب على أسعار صرف متدنية، وتسديد الأموال بموجب التعاميم، وأبرزها 158 و166، إضافة إلى التعميم المنتهي الصلاحية 151. فضلًا عن الأموال التي أُخرجت بعد الانهيار، سواء على شكل ودائع ائتمانية أم تحويلات خاصة.
هذا على صعيد سنوي، أما أسبوعيا، وكما يتبين من الجدل المرفق، فإنM1 انخفض بمقدار 703 مليار ليرة لبنانية خلال الأسبوع الممتد من 10 إلى 16 نيسان 2026، نتيجة لانخفاض النقد المتداول بمقدار 1240 مليار ليرة لبنانية، وارتفاع الودائع تحت الطلب بمقدار 536 مليار ليرة لبنانية.
وبالتالي، ارتفع إجمالي الودائع (باستثناء الودائع تحت الطلب) بمقدار 52 مليون دولار أمريكي، نتيجةً لزيادة في الودائع لأجل والودائع الإدخارية، مصحوبةً بزيادة في الودائع المقومة بالعملات الأجنبية بمقدار 37.10 مليون دولار مقارنةً بالأسبوع السابق.
وفيما خص المعروض النقدي الواسع (M3) ارتفع إلى 66 مليار دولار أمريكي بنهاية الأسبوع المنتهي في 16 نيسان 2026. مع ذلك، انخفض M3 بنسبة 4.85% على أساس سنوي، وبنسبة 1.62% منذ بداية العام.
وبناءً على ذلك، انخفض معدل الدولرة في السوق المالية انخفاضًا طفيفًا، من 97.7% في الأسبوع المنتهي في 9 نيسان 2026، إلى 97.691% في الأسبوع المنتهي في 16 منه.
الليرة “ماتت”
ومع ذلك، ظلّت نسبة دولرة الاقتصاد مرتفعة جدًا، وهو ما يعني أن العملة الوطنية “ماتت”، وفقًا للباحثة في الاقتصاد النقدي، د. ليال منصور. كما أن المصرف المركزي فقد دوره في التدخل في السوق، من خلال السياسة النقدية التي تقوم بشكل أساسي على “المعروض النقدي” واستعمال سياسة الفائدة.
بعيدًا عن تفاصيل الأرقام، فإن ارتفاع معدلات الدولرة لا يعود إلى تراجع الكتلة النقدية بالليرة، جراء انهيار سعر الصرف فحسب، برأي منصور، إنما نتيجة للعديد من العوامل، ومنها: The hysteresis effect under a ratchet effect. وهو ما يعني أنه حتى لو استعاد الاقتصاد اللبناني عافيته وحقق معدلات نمو مرتفعة، وتوصّل إلى حل بقية المشاكل المالية والاقتصادية، فإن الثقة بالليرة لن تعود. فالدولرة لم تحصل ظرفيًا لتعود وتنخفض مع زوال السبب، إنما نتيجة لعوامل بنيوية وتغيرات جذرية في الاقتصاد، وهي تحوّلت إلى دولرة كاملة، إنما بشكل غير رسمي، من وجهة نظر منصور. وعليه، فإن الحل الأنسب للاقتصاد هو تبنّي الدولرة الشاملة وتحويلها إلى رسمية، من خلال اعتماد سياسة “مجلس النقد“، وذلك من أجل استعادة الثقة العالمية بلبنان.
الدولرة أو “مجلس النقد” هما الحل
خلافًا لما يعتقده الكثيرون، فإن خيار الدولرة لم يولد حديثًا، إنما يعود، بحسب منصور، إلى 32 عامًا، حين اقترح صندوق النقد الدولي على لبنان السير بخيار الدولرة الشاملة، لثلاثة أسباب رئيسية:
- تمتع لبنان بنسبة دولرة مرتفعة في الاقتصاد.
- اعتماده بشكل شبه كلي على قطاع الخدمات، ومنها بشكل أساسي القطاع المصرفي، والسياحة، وتحويلات المغتربين.
- تعرضه بشكل دائم للهزات السياسية والمشاكل الأمنية.
وبرأي منصور، فإن هذه العوامل الثلاثة هي بمثابة الوصفة السحرية لنجاح السياسات القائمة بشكل كلي على الدولرة الشاملة أو “مجلس النقد”، وهي التي تتضمن استقرار الاقتصاد وتعافيه وابتعاده عن كل الهزات الاقتصادية والاجتماعية، مثل التي حصلت بعد العام 2019. وبحسب منصور، فإنه لا يكفي تمتع البلد بنسب دولرة مرتفعة فقط لكي يُوصى بالدولرة الشاملة، إنما أن يكون الاقتصاد خدماتيًا ومعرضًا للمشاكل. وعلى سبيل المقارنة، فإن الدولرة في تركيا لا تصح، رغم كل مشاكلها النقدية وضعف عملتها الوطنية وتمتعها بنسبة دولرة مرتفعة، ذلك أن تركيا اقتصاد كبير وقائم على الإنتاج. فيما هذه الوصفة هي بمثابة الخلاص للبنان.
رغم أنها لا تشكل أكثر من 3 في المئة من حجم الاقتصاد، فإن خطر تراجع الليرة يبقى قائمًا، بالتوازي مع تصاعد المخاوف الأمنية والسياسية بشكل أساسي، وفيما إذا طالت الحرب وتراجعت بشكل كبير التدفقات السياحية وتحويلات المغتربين، ولم تأتِ المساعدات لإعادة الإعمار والنمو. لكن المفارقة، برأي منصور، أن أي انهيار في العملة الوطنية لن يكون له تأثير نقدي، إنما تأثير اجتماعي، وسيؤدي إلى انخفاض القيمة الشرائية للأجور المقومة بالليرة اللبنانية، وهي بشكل عام أجور موظفي الدولة بشكل أساسي، ويخلق تناقضات ومشاكل داخل المجتمع اللبناني.
