مستقبل الكهرباء: دور الهيئة الناظمة وتنوّع مصادر الطاقة

تُشكّل أزمة الكهرباء في لبنان واحدة من أبرز التحديات الاقتصادية التي تواجه البلاد، إذ تتشابك أسبابها وتتعدد أوجهها بين البُعدَين المالي والتقني. تجدر الإشارة، في البداية، إلى أن لبنان لا يعاني من شُحّ في مصادر الحصول على الوقود، إذ تبقى إمكانية استيراد المحروقات من دول حوض البحر المتوسط قائمةً وفي متناول اليد. يتمحور التحدي الحقيقي حول القدرة المالية على تأمين تمويل هذه المشتريات، لا على الإمكانات اللوجستية للاستيراد.

تتصدر مسألة التسعيرة قائمة الأسباب الجوهرية للأزمة المالية في قطاع الكهرباء. يُباع الكيلوواط بسعر يبلغ نحو ستة وعشرين سنتاً، وهو سعر كان مقبولاً في مراحل سابقة، غير أن ارتفاع أسعار النفط عالمياً يجعل هذا السعر أدنى من تكلفة الإنتاج الفعلي. يترتب على ذلك أن مؤسسة كهرباء لبنان تبيع الكهرباء بخسارة، ما يُفضي إلى عجزها عن توليد الإيرادات الكافية لشراء الوقود اللازم لتشغيل معاملها. تكمن المعالجة الجذرية لهذه الإشكالية في اعتماد تسعيرة متغيرة تتناسب مع تقلبات أسعار النفط في الأسواق الدولية، على غرار آلية تسعير المحروقات في محطات الوقود، حيث تتحرك الأسعار صعوداً وهبوطاً تبعاً للسعر العالمي للنفط الخام. يُعدّ تبنّي هذا النهج أمراً ضرورياً لضمان استدامة إيرادات القطاع وتمكينه من مواصلة تشغيل منظومة توليد الكهرباء.

يُشكّل ضعف الجباية الركيزة الثانية من ركائز الأزمة المالية في القطاع، إذ تُشير التقديرات إلى أن ما يقارب أربعين بالمئة من فواتير الكهرباء لا يُحصَّل، وهو ما يعني أن قدراً كبيراً من الطاقة الكهربائية المُنتَجة يذهب هباءً دون مقابل مالي. يُعاني القطاع من ظاهرة السرقة والتعدي على الشبكة، فضلاً عن تعذّر تحصيل الفواتير في عدد من المناطق الجغرافية. تستلزم معالجة هذه الإشكالية إيجاد صيغ تعاون بين شركات التوزيع وجهات قادرة على تحصيل الفواتير في المناطق التي تعجز عنها المؤسسة الرسمية، مع ضمان أن تنعكس عائدات هذا التحصيل إيجاباً على قدرة المؤسسة على شراء الوقود وتوليد الطاقة. يُسهم ضعف الجباية في إضعاف دور الهيئات الناظمة ويُقلّص هامش مناورتها في إصلاح المنظومة.

تنويع مصادر الطاقة وتفعيل الهيئات الناظمة

تُطرح مسألة تنويع مصادر الطاقة باستمرار بوصفها خياراً استراتيجياً لتخفيف الضغط على الإنتاج التقليدي، لا سيما في ظل اتجاه قطاع الذكاء الاصطناعي نحو استهلاك طاقة هائلة أسهم في رفع الطلب العالمي على الكهرباء بصورة لافتة. يُقدَّر الوقت اللازم لإنشاء معامل توليد جديدة بنحو سبع سنوات على أقل تقدير، وهو ما يجعل التوسع في الطاقة الشمسية خياراً أكثر جدوى وسرعة لرفع الطاقة الإنتاجية. غير أن هذا المسار يصطدم بعقبة التراخيص؛ فثمة منشآت طاقة شمسية تعمل حالياً خارج الأطر القانونية نظراً لغياب تراخيص واضحة وميسّرة، في حين صدرت بعض التراخيص ويُرجَّح أنها مُنحت لأغراض المضاربة لا لتطوير القطاع فعلياً.

يستلزم تجاوز هذا الواقع تفعيلاً حقيقياً للهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء، وتمكينها من الموارد والصلاحيات اللازمة لممارسة دورها الرقابي والتنظيمي. يُناط بهذه الهيئة إصدار تراخيص مزارع الطاقة الشمسية وفق معايير شفافة وموضوعية بعيداً عن الاعتبارات السياسية، وتنظيم السوق بما يُشجّع الاستثمار الحقيقي في قطاع الطاقة المتجددة. تبدأ الخطوة الأولى بمعالجة أوضاع المنشآت العاملة حالياً خارج الإطار القانوني وتسوية أوضاعها، ثم الانتقال إلى منح تراخيص جديدة وفق ضوابط واضحة تحول دون احتكار هذه التراخيص أو توظيفها لأغراض خارج نطاق تنمية القطاع.

تتضح مما سبق أن أزمة الكهرباء في لبنان ليست أزمة لوجستية في جوهرها، بل هي في المقام الأول أزمة مالية وإدارية ذات طابع هيكلي. تتمحور الحلول المقترحة حول ثلاثة محاور رئيسية: أولها اعتماد التسعيرة المتغيرة التي تعكس تكاليف الإنتاج الفعلية وتُبعد الاعتبارات السياسية عن قرارات التسعير، وثانيها معالجة إشكالية الجباية عبر شراكات فاعلة مع جهات قادرة على تحصيل الفواتير في مختلف المناطق، وثالثها تفعيل الهيئة الناظمة وتمكينها من منح التراخيص لمشاريع الطاقة المتجددة وفق معايير مهنية صارمة. تشترط نجاح هذه الإصلاحات وجود إرادة سياسية جادة ومتواصلة، إذ لا يكفي إنشاء هيئات ناظمة وتزويدها بالموارد من دون منحها الاستقلالية والصلاحيات الكفيلة بتفعيل دورها فعلياً على أرض الواقع.

اضغط هنا لمشاهدة المقابلة على اذاعة صوت لبنان