برّد الاتفاق المبدئي لوقف الحرب بين أميركا وإيران غليان الاقتصاد اللبناني، لكنه لم يُلغِ المخاوف على الاستقرارين المالي والنقدي. فإطفاء النار المستمرة بالالتهاب، كحمم البركان، يتطلّب وجود الدولة القادرة والممسكة بمفاصل الاقتصاد والأمن والقضاء والتشريع، بعد الانسحاب الإسرائيلي الكامل. وإلى حينه، تستمر مظلة الآلية النقدية، التي فُتحت في منتصف عام 2023، في تفيئة الاقتصاد، مانعةً عنه لهيب الانهيارات، رغم كل ما حلّ به من ويلات ومآسٍ.
بعد شهر واحد من اندلاع حرب إسناد إيران، ارتفع التضخم في لبنان بنسبة 8 نقاط مئوية، إذ بيّنت أرقام إدارة الإحصاء المركزي لشهر نيسان وصوله إلى 20%، بعدما كان قد أنهى عام 2025 عند 12.2%. هذا، ولم يتحرك سعر صرف الليرة اللبنانية نزولًا مقابل الدولار. فكيف كانت لتكون النتائج على الأجور والمالية العامة لو تراجع سعر الصرف، أو حتى عاد إلى عتبة 140 ألف ليرة التي وصلها مطلع آذار 2023؟
تأثير سعر الصرف على التضخم
بشكل عام، يُعدّ تغيّر سعر الصرف من العوامل البنيوية المؤثرة في التضخم، خلافًا للعوامل الظرفية، كارتفاع أسعار الغذاء والنفط. وتتراوح نسبة انتقال أثر سعر الصرف إلى الأسعار (Exchange Rate Pass-Through) في لبنان، قياسًا إلى السنوات الماضية، بين 50% و80%. وبمعنى آخر، فإن ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة بنسبة 10% يرفع معدل التضخم بما يتراوح بين 5% و8%.
وعلى افتراض تراجع الليرة مقابل الدولار إلى مستوى 100 ألف ليرة فقط، لكانت نسبة التضخم قد سجلت 28% في أيار. ما يعني تآكل الأجور بالنسبة نفسها، وخسارة الحد الأدنى للأجور نحو 7.5 ملايين ليرة من قوته الشرائية ، ليتراجع إلى ما يعادل 20 مليون ليرة بدلًا من قيمته الاسمية البالغة 27 مليون ليرة.
الآلية النقدية
إزاء هذا الواقع المزدوج التحديات، بين التضخم وغياب الإصلاحات، تبرز أهمية الآلية التي اعتمدتها وزارة المالية ومصرف لبنان، والتي تتولى جهة متخصصة تطبيقها بصرامة ودقة منذ منتصف عام 2023، بهدف الحفاظ على استقرار سعر الصرف. ولضمان عدم تدهور العملة الوطنية، شددت وزارة المالية على جباية الواردات بالليرة، وتقليص النفقات، وإيداع الفائض لدى مصرف لبنان. ويعمد الأخير إلى شراء الدولارات من السوق بواسطة جهة خاصة موثوقة تراعي شروط الامتثال ومكافحة تبييض الأموال، ومن دون تحميل الخزينة أي كلفة.
ومن هذه الأموال، لا يساهم المصرف المركزي فقط في تسديد الودائع عبر التعميمين 158 و166، بل أيضًا في تمويل رواتب القطاع العام بالدولار وتلبية المدفوعات الخارجية الأساسية للدولة. وقد ساهم حصر عملية شراء النقد الأجنبي بجهة واحدة في الحد من المضاربة على الدولار، وضمان عدم وقوع فوضى في السوق قد تدفع إلى التعامل مع جهات معاقبة من وزارة الخزانة الأميركية، بما يهدد النظام المالي برمته. وتتضاعف أهمية هذه الآلية بمنعها عودة التضخم المرتبط بتراجع سعر الصرف، ولا سيما في واحدة من أدق المراحل التي يمر بها لبنان.
الصمود رغم التحديات
على الرغم من التحديات التي واجهت هذه الآلية منذ آذار، فقد عادت، وفق ما تظهره الميزانية نصف الشهرية لمصرف لبنان، إلى مسارها الصحيح. فعادت احتياطيات النقد الأجنبي إلى الارتفاع، محققة زيادة بقيمة 185 مليون دولار في منتصف حزيران، لتستقر عند 11 مليارًا و631 مليون دولار.
وتأتي هذه الزيادة على الرغم من وجود مجموعة من العوامل الضاغطة، أبرزها:
- زيادة الطلب على الدولار لتمويل فاتورة المستوردات، إذ يُقدَّر أن فاتورة المحروقات وحدها ارتفعت بأكثر من 100 مليون دولار شهريًا خلال الشهرين الماضيين.
- تراجع التدفقات النقدية والتحويلات الواردة من المغتربين.
- عدم دخول جزء كبير من الأموال المدفوعة بموجب التعميمين 158 و166 إلى الدورة الاقتصادية بعد زيادتها.
- محاولات إدخال أطراف مصرفية أخرى على خط شراء الدولار، بما لا يهدد فقط بعودة المضاربة إلى سوق القطع، بل أيضًا بحقوق المودعين أو بتأخير المدفوعات بالدولار، وعودة الممارسات المصرفية الرامية إلى الحصول على الدولار بوسائل ملتوية.
ورغم هذه العوامل مجتمعة، ارتفعت الاحتياطيات وظل سعر الصرف مستقرًا. وساعد على ذلك، بشكل أساسي، استمرار نمو إيرادات الدولة، إذ أظهرت الميزانية نصف الشهرية ارتفاع حسابات الدولة لدى مصرف لبنان إلى حدود 10 مليارات دولار في منتصف هذا الشهر. ويُضاف إلى ذلك تراجع الكتلة النقدية بالليرة إلى 57 ألف مليار ليرة، أي ما يعادل نحو 637 مليون دولار.
السياسة الانكماشية
“النجاح الذي يمكن الاستدلال عليه بالأرقام يجب أن يستمر، رغم الانتقادات الموجهة إليه من زاوية اعتماد الحكومة عمومًا ووزارة المالية خصوصًا سياسة انكماشية تحرم الاقتصاد من الموارد لتوجيهها إلى المودعين بدلًا من المصارف”، تقول إحدى المصادر المتابعة.
غير أن اتهام هذه السياسة بالانكماشية يفترض أن يكون موضع ترحيب لا انتقاد. فالسياسة الانكماشية لا ينبغي أن تقتصر على التقنين في النفقات الرأسمالية، بل يجب أن تشمل أيضًا النفقات التشغيلية. فالمشكلة الأساسية في الموازنات المتعاقبة والعجوزات المحققة لم تكن ناجمة فقط عن ضعف الجباية وتراجع الإيرادات، بل أيضًا عن حجم الإنفاق المرتفع، الذي يُخصص أكثر من 70% منه للرواتب والأجور في قطاع عام مترهل وضعيف الإنتاجية.
ومن الضروري خفض النفقات التشغيلية عبر إعادة هيكلة القطاع العام، وفتح القطاعات المحتكرة والمؤسسات الإنتاجية، التي يُقدّر عددها بنحو 127 مؤسسة، أمام المنافسة والخصخصة، بما يضمن تدفقات رأسمالية واستثمارات جديدة، بعيدًا عن الصفقات والمشاريع المشبوهة التي غالبًا ما تكلّف أضعاف المخصصات المرصودة لها، وتذهب منافعها إلى النافذين والمحاسيب من دون تحقيق الأهداف المرجوة منها. كما ينبغي أن تُبنى المشاريع العامة على قاعدة “المستخدم يدفع”، بما يضمن استدامتها المالية وكفاءة تشغيلها. وبهذه الطريقة، ينتفي العجز في الموازنة تدريجيًا، ويتراجع الضغط على سعر الصرف بصورة تلقائية.
وفي ما يخصّ الاتهام باعتماد سياسة انكماشية مترافقة مع الآلية النقدية بهدف تسديد حقوق المودعين، أليست هذه الفئة هي الأكثر مظلومية بحسب معظم المنظّرين والمفاهيم الاقتصادية، بعد أن تعرّضت لما يُوصف بـ”سرقة العصر”؟ أما تركيز الانتقاد الأساسي للسياسة المالية المتبعة في كونها تُحمّل الدولة تسديد التزامات يُفترض أن تقع على عاتق المصارف، وهذا فيه قدر كبير من الصحة، ألا يفترض أولًا إنهاء حالة التعثّر. وهل من جهة ترضى إبقاء حقوق المودعين معلقة إلى حين التوصّل إلى اتفاق على كيفية توزيع الخسائر، وإقرار قانوني إعادة هيكلة القطاع المصرفي والاصلاح المالي؟ وذلك في ظل استمرار التعقيدات السياسية وتضارب المصالح وغياب التوافق السياسي العريض.
في الولايات المتحدة، لم يتردد الاحتياطي الفيدرالي في تحدّي البيت الأبيض، ورفض خفض الفائدة عندما ارتفع التضخم الأساسي إلى 2.9%. في المقابل، يُنتقد في لبنان اعتماد سياسة انكماشية مرحلية تهدف إلى ضمان استقرار سعر الصرف، وتفادي قفزات حادة قد تؤدي إلى تضخم مفرط (Hyperinflation) يلتهم الأجور، ويعيد السياسات المالية والأجور إلى نقطة الصفر.
