مجلس شورى الدولة “يحمي” الودائع ويوقع المودعين في “فخ” ردّها

الودائع

بين عامَي 2022 و2026، أربع سنوات تفصل بينهما بالمقياس الزمني، لكنها تُعادل دهرًا كاملًا على صعيد الإصلاح المصرفي. فالمودعون الذين يأكلون عصيّ الفقر ويتحسّرون على جنى عمرهم، ويخشون على مستقبلهم، ليسوا كـ “من يعدّها”، من معدّي الخطط وناقضوها، والمعتاشين على جنباتها. خططُ انتعاشٍ مالي تواجه دعاوى قضائية وطعونًا مضادة، فتُعيد النقاش إلى مربع “قدسية الودائع” الأول: هل يجوز المسّ بالودائع أم لا؟ مع العلم أن الأوان قد فات فعليًا على هذ السؤال، وذلك على حدّ قول المثل المأثور: “اللي ضرب ضرب واللي هرب هرب”.

ما أعاد فتح النقاش كان إصدار مجلس شورى الدولة، مؤخرًا، قرارًا قضى برفض الطعن الذي تقدّمت به الدولة اللبنانية اعتراضًا على القرار الأساسي الصادر عام 2024، والقاضي بعدم جواز إلغاء جزء من التزامات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية تجاه المصارف التجارية.

التسلسل الزمني

لفهم حيثيات ما يجري من الناحية القانونية، يتطلب الأمر العودة إلى عام 2022. ففي أيار من ذلك العام، وضعت الحكومة خطة التعافي الاقتصادي، التي تضمنت إلغاء جزء من التزامات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية تجاه المصارف التجارية اللبنانية، وذلك بهدف تخفيض العجز في رأسمال المركزي وإقفال صافي مركز النقد الأجنبي المفتوح للمصرف.

لاحقًا، رفعت جمعية المصارف دعوى أمام مجلس الشورى مطالبةً بإلغاء هذا البند تحديدًا. وقد انتهى المجلس إلى إبطال بند “شطب الودائع”. بعد ذلك، عادت الدولة اللبنانية وتقدمت بتاريخ 16 نيسان 2024 بمراجعة لإعادة المحاكمة وإبطال القرار المذكور. وفي 21 أيار 2026، أصدر مجلس شورى الدولة قرارًا قضى برفض “الطعن” الذي تقدمت به الدولة اللبنانية في إطار طلب إعادة المحاكمة.

جدوى القرار

أول ما يتبادر إلى الأذهان هو الجدوى من القرار، ولا سيما أن خطة عام 2022 وُلدت ميتة أساسًا، وانتهت مفاعيلها مع انتهاء حكومة الرئيس حسان دياب. ومن المفترض أن يبدأ المجلس النيابي مناقشة خطة جديدة تحت عنوان “استعادة الانتظام المالي واسترداد الودائع“. إلا أن قرار مجلس شورى الدولة يكتسب أهمية خاصة من حيث الشكل والمضمون والتوقيت، برأي الخبير الاقتصادي أنطوان فرح. فالنقاشات التي تدور اليوم حول توزيع الخسائر تتضمن أيضًا شطب جزء من الودائع غير المشروعة، وفائض الفوائد، وتلك المحوّلة من الليرة إلى الدولار. وعليه، “أتى قرار الشورى ليثبّت القرار السابق ويؤكد منع السلطة السياسية من شطب مطلوبات المصارف لدى مصرف لبنان، معتبرًا أن هذه الأموال هي أموال المودعين”، من وجهة نظر فرح. وبالتالي، فإن “شطبها من شأنه الإخلال بمبدأ إعادة الوديعة وحفظ الحقوق الخاصة المكفولة في الدستور”. اللافت في القرار أن “حيثيات الدفاع التي قدمتها الدولة جاءت أشبه بمضبطة اتهام للدولة نفسها”، يضيف فرح. فهي قالت إن “الهدف من القرار ليس التنفيذ، بل مجرد إعلان نوايا. وبذلك، كشفت بنفسها أنها كانت تتعامل بسوء نية وتتعمّد شطب الودائع”.

“فخ” القرار

من وجهة نظر قانونية، يشوب القرار الأساسي الصادر عن مجلس شورى الدولة، والذي ردّ بموجبه طعن الدولة، عيب جوهري. فالقرار اعتبر في متنه أن الودائع تُعامل بمثابة استثمارات، وهو ما يتعارض، بحسب المحامي المتخصص في الرقابة على المصارف المركزية د. باسكال ضاهر، مع مفهوم الوديعة وطبيعتها القانونية. وبرأيه فإن القرار “أتاح الاستنتاج بأنه إذا لم تردّ الدولة الأموال إلى المصارف، فإن هذه الأخيرة تصبح في حلّ من ردّها إلى المودعين، ما يشكل ثغرة قانونية تؤسس لفهم خاطئ للوديعة باعتبارها حقًا ثابتًا لا يجوز المساس به”.

عدا عن قبول مجلس شورى الدولة طعنا يتعلق بخطة لم تعد قائمة أصلًا، فإن ما ورد في القرار لجهة اعتبار أن أي إجراء من هذا النوع يجب أن يتم ضمن إطار قانوني يصدر عن السلطة التشريعية ويقترن بنظام تعويض، يطرح إشكالية دستورية أساسية. فهل يحق للمشرّع أن يعدّل عقدًا قائمًا بين طرفين وأن يجيز لأحدهما عدم الوفاء بالتزاماته تجاه الآخر؟

بحسب ضاهر، فإن “المشرّع لا يستطيع أن يحلّ محل إرادة المتعاقدين، لأن الإرادة في القانون هي أساس العقد ومصدر إلزامه. كما أن المودع ليس مستثمرًا، ولا علاقة له بما إذا كان المصرف قد حقق أرباحًا أو تكبّد خسائر”. ويستند هذا المبدأ برأيه إلى “قانون النقد والتسليف وأسبابه الموجبة، التي تنص على أن المودع، حين يضع أمواله في المصرف، يجب أن يتمكن من استردادها كما لو أنه أودعها في صندوقه الخاص في منزله”.

ودائع أم استثمارات؟

من الناحية المصرفية البحتة، يعيد قرار التصرف بأموال المصارف لدى مصرف لبنان طرح مسألة أساسية تتعلق بطبيعة هذه الأموال: هل تُصنّف كودائع أم كاستثمارات؟

في المبدأ العام تضع المصارف التجارية لدى مصرف لبنان نوعين من الودائع التي لا يجوز التصرف بهما، وهما: الاحتياطي الإلزامي بالليرة اللبنانية، الذي يوازي 25% من حجم الودائع بالليرة، والاحتياطي الإلزامي بالعملات الأجنبية، الذي يبلغ 15%. وكل ما يتجاوز هذه النسب، فيُعتبر استثمارات قامت بها المصارف بأموال المودعين. و”قد اتخذت المصارف قرارا بتوظيف جزء من هذه الأموال لدى مصرف لبنان من خلال الاكتتاب بـ شهادات إيداع مقابل عائد بلغ نحو 8%”، يقول الباحث في كلية سليمان  الباحث المقيم في كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال في الجامعة الأميركية في بيروت، وخبير المخاطر المصرفية محمد فحيلي، “ما يجعلها استثمارات خاضعة للمخاطر وليست أموالًا مضمونة بالكامل”. وبما أن قانون النقد والتسليف يحمّل الدولة اللبنانية مسؤولية إعادة رسملة مصرف لبنان عند الحاجة، يبقى احتمال اعتبار هذه الأموال توظيفات استثمارية قابلة لإعادة الهيكلة أو الشطب مطروحًا.

المودعون يدفعون الثمن

وعلى الرغم من ذلك، يعتبر فحيلي أن أي معالجة للأزمة يجب أن تتم ضمن إطار يهدف إلى الحفاظ على الثقة بالقطاع المالي والمصرفي، وبالعلاقة بينه وبين مكونات المجتمع اللبناني من أفراد ومؤسسات. ويعتبر أن أي مقاربة تهدد هذه الثقة من شأنها أن تحكم على القطاع المصرفي بالإعدام الاقتصادي وتدفنه إلى أجل غير مسمى.

على أعتاب إقرار قانون جديد لإعادة الودائع، يحاول كل طرف التمترس خلف ما يعتبره حمايةً لحقوقه ومصالحه، سواء الدولة أو المصارف. أما المودع، الذي انتظر سنوات لاستعادة أمواله، فيبقى الضحية الأكبر في معركة توزيع الخسائر وتحديد المسؤوليات. فالمودعون تكبدوا خسائر كبيرة نتيجة ليلرة الودائع، كما خسروا جزءًا إضافيًا من قيمتها بسبب سدادها على دفعات في ظل معدلات تضخم مرتفعة محليًا وعالميًا. إذا كانت الخطة المطروحة تقوم أساسًا على تقسيط الودائع على مدى عشرين عامًا، فبأي حق يمكن اقتطاع جزء إضافي منها؟ وأي مبدأ قانوني أو حقوقي يمكن أن يبرر ذلك؟