يعود الحديث عن الأثر الضريبي مع عودة النقاش بالموازنة العامة، ويتلاشى مع إقرارها. بين المهلتين الزمنيتين تحشد وزارة المالية ما استطاعت من أسباب تخفيفية لتبرئة الموازنة من الاتهامات الجسيمة، بإضافتها المزيد من الأعباء المالية على المواطنين والاقتصاد. يساعدها في الأعوام الأخيرة استبعاد “فرسان الموازنة”، التي عادة ما تكون مواد ضريبية تدخل خلسة لتمريرها من دون قوانين خاصة. إلا أن الزيادة السنوية في الإيرادات المتوقعة تطرح تساؤلات جدية عن المصدر، وكيفية تحقيقها، ونتائجها الفعلية على الوضع العام.
موازنة العام 2027 تتوقع زيادة في الإيرادات بنسبة 24% عن العام 2025، من 5.52 مليار دولار إلى 6.87 ملياراً. أكثر من 80% من هذه الزيادة تتأمن من الرسوم والضرائب التي يجري إقرارها بمراسيم من خارج الموازنة. فالمالية تتوقع زيادة في إيرادات الضريبة على القيمة المضافة، بعد إدخال الزيادة بنسبة 1% التي أقرت في شباط 2026 حيز التطبيق. كما يجدد البرلمان للحكومة بشكل دوري حق التشريع في الحقل الجمركي، ما يسمح بفرض علاوات ورسوم، وليس آخرها رسم التلوث البيئي على السلع والمنتجات بنسبة تراوحت بين 1 و3 بالمئة، وكان قد سبقه رسم على البنزين بقيمة 300 ألف ليرة. ويساهم تعديل قيمة احتساب بعض الرسوم والغرامات نتيجة تدهور سعر الصرف بتوقع تحقيق المزيد من الإيرادات.
زيادة الإيرادات في ظل الإنكماش
بغض النظر عن الزيادات المستترة للرسوم والضرائب، فإن المشكلة الفعلية تظهر جلياً بمقارنة الإيرادات المتوقعة مع نسبة النمو الحقيقية في الاقتصاد. فمن غير المقبول أن تزداد الإيرادات العامة بنسبة أعلى بما لا يقاس من النمو الاقتصادي، برأي رئيس المعهد اللبناني لدراسات السوق د. باتريك مارديني، إذ، بحسب أحسن التوقعات، سيواجه الاقتصاد اللبناني انكماشاً اقتصادياً بنسبة 6.4% في العام 2026، ونمواً بنسبة 4% في العام 2027. ما يعني أن النمو سيكون سلبياً بنسبة -2.4%.
إن كان “فاقد الشيء لا يعطيه”، كما يقول المثل، فكيف يمكن أن تأخذ الدولة من اقتصاد يتقلص عاماً بعد آخر مبالغ تزداد باضطراد، يسأل مارديني، ليجيب: من خلال خنق المواطنين والقطاع الخاص الشرعي بالرسوم والضرائب. فنسبة النمو المتوقعة في الضرائب بلغت بين 2026 و2027 نحو 26%. وهو ما يدل، بحسب مارديني، على العبء الذي يتحمله الأفراد والمؤسسات. ومن غير المستبعد اللجوء إلى ابتكار رسوم جديدة لا تخطر على البال في حال العجز عن جباية هذه الزيادة في الإيرادات.
الإنفاق على القطاع العام
التوقع الذي يعوزه المنطق بزيادة الإيرادات في اقتصاد منكمش، يقابله عبثية التصرف بالإيرادات. فمن أصل زيادة في الإنفاق العام بقيمة 2.5 مليار دولار بين 2025 و2027، يذهب 1.4 مليار دولار رواتب ومنافع اجتماعية لموظفي القطاع العام.
أكثر من ذلك، فإن كلفة الرواتب وتوابعها للموظفين تشكل 58% من مجمل الإنفاق العام، بعدما كانت تشكل 65% في موازنة 2026. وهذا البند لم يتراجع كما تظهر الأرقام، بحسب مارديني، إنما ازداد نظراً لتوقع تحقيق زيادة في الإيرادات في العام 2027.
وفي جميع الحالات، فإنه يبقى أعلى بما لا يقاس مع المتوسط العالمي لكلفة موظفي القطاع العام من مجمل الإنفاق، والذي يبلغ 19.1%. وغالباً ما يستحوذ الموظفون على النسبة الأعلى من الإنفاق في الدول الضعيفة والتي تملك قطاعاً عاماً مترهلاً وغير فعال، وذلك على غرار الموزمبيق والعراق، فيما تنخفض نسبة الإنفاق على الرواتب والأجور في الدول التي لديها قطاع عام قوي وقادر، على غرار ألمانيا، حيث لا تتجاوز النسبة 5%، وبلجيكا نحو 6%، وإسبانيا نحو 6%، وسويسرا وفنلندا حوالي 7%.
تخفيض عديد الموظفين
مقاربة، إن دلت على شيء، فهي تدل على أن الإنفاق الكبير على الرواتب والأجور ليس دليل عافية، وأن المشكلة ليست في قيمة الرواتب والتعويضات، إنما في عديد الموظفين، بحسب مارديني. حيث تحشى الإدارات في الدول المتخلفة بالمحسوبيات والواسطات، كما لبنان، ويتضخم عددها بشكل كبير من دون فعالية. وعليه، إن كان من حل، فهو بتخفيض نصف عديد القطاع العام اللبناني، الأمر الذي يخفف الحاجة إلى فرض كل هذه الرسوم والضرائب من جهة، ويمكن الدولة من زيادة رواتب ومداخيل موظفيها وتفعيل إنتاجيتهم.
باختصار، كل زيادة بالإنفاق العام تعني زيادة بـ الضرائب، يضيف مارديني. وكل زيادة في الضرائب في ظل اقتصاد منكمش ويعاني من تعطل قطاعه المصرفي وتقادم بناه التحتية وارتفاع أكلافه الإنتاجية وزيادة مخاطره الأمنية، يعني طرداً للاستثمارات وزيادة التهرب. فبدلاً من تخفيض الضرائب وتبسيطها وجعلها مسطحة للتحفيز على دفعها وجلب المستثمرين، يجري رفعها لتمويل قطاع عام متضخم ومترهل. وهو الأمر الذي يبقي الاقتصاد يدور في الحلقة المفرغة نفسها.
