خاص Lebanon Matters: سعيد يكشف فساد بـ50 مليار دولار: من المسؤول عن التحقيق؟

سعيد

كأنّ حاكم مصرف لبنان، كريم سعيد، استحضر قصة «الحالة الغريبة لبنجامين باتن» (The Curious Case of Benjamin Button)، في محاولة لإعادة الشباب إلى مصرف لبنان. فهذا المصرف العريق، الذي خرج من الحرب الأهلية كهلاً لا وليداً، حُمِّل منذ نهاية الولاية القسرية لإدمون نعيم عبء تمويل العجز الدائم في الموازنات العامة، ثم أُثقل بتثبيت سعر الصرف في أواخر التسعينيات، قبل أن يُستنزف لاحقاً بالأطماع الشخصية والدعم وسوء الإدارة على مدى عقود.

يحاول سعيد بثّ الحياة في هذه المؤسسة المنهكة، حاملاً ما يشبه «إكسير» المحاسبة للقطاعين العام والخاص، واضعاً استرداد الأموال وكسر ثقافة الإفلات من العقاب في صلب مقاربته.

الحقوق المترتبة في ذمة الدولة

الحبكة في المؤتمر الصحافي للحاكم، والمتعلقة باتخاذ «المركزي» إجراءات قانونية وقضائية لاسترداد حقوقه، تبدأ من النهاية، كما في القصة نفسها. فالمبالغ الوازنة التي ستمكّنه من رد أموال المودعين وردم «الفجوة» المالية موجودة في عهدة الدولة، وقيمتها تتجاوز مبلغ 16.5 مليار دولار الذي أقرت به رسمياً، بثلاثة أضعاف على أقل تقدير، بحسب تصريحه. أي أن المبلغ المتوجب على الدولة رده يبلغ نحو 50 مليار دولار.

ولا يقتصر هذا المبلغ على السحوبات المباشرة من حساب اليوروبوندز، بل يشمل أيضاً المبالغ التي صُرفت على الدعم والكهرباء وجميع المدفوعات والسلف حتى عام 2023. وبذلك، «فتح سعيد الطريق على المحاسبة لاسترداد هذه الأموال التي صُرفت هدراً»، يقول المحامي كريم ضاهر. وهو ما يتطلب، برأيه، «فتح ملفات جميع صفقات الإثراء غير المشروع بعد صدور قانون العفو العام في بداية التسعينيات، بهدف تحصيل الحقوق من خارج إطار فرض المزيد من الضرائب أو تسييل الأصول».

فهذه المبالغ لم تتبخر، بل صُبّت في حسابات بعض المسؤولين والوزراء والمتعهدين والمقاولين وكبار الموظفين، نتيجة مخالفة القيمين على مصرف لبنان لقانون النقد والتسليف، ولا سيما المادة 91 منه. ومن الواجب، بحسب ضاهر، «ملاحقة جميع المسؤولين بجرائم الإثراء غير المشروع وتبييض الأموال، واسترداد هذه الأموال، بدلاً من تحميل وزرها للاقتصاد والأجيال اللاحقة، من خلال ما يُطرح من مشاريع زيادة الضرائب وبيع الموجودات القيّمة، وفي مقدمتها الذهب».

الأموال من القطاع الخاص

لم تقف الأمور عند هذا الحد. فخارج إطار الدولة، هناك «مسؤول سابق في مصرف لبنان وعائلته، وشخص طبيعي مصرفي سابق، وشركات من القطاع الخاص، من بينها فوري، وشركة أخرى لم يسمّها»، استفادت من حساب الاستشارات واختلست أموالاً من المصرف المركزي، بحسب الحاكم. وستلاحق هذه الجهات قضائياً، إلى جانب كل من يُظهره التحقيق مشاركاً أو متواطئاً أو مسهّلاً.

ما يعني أن هناك عدداً من الأشخاص الممكن ملاحقتهم، يعلّق كريم ضاهر، ولا سيما في القضايا المرفوعة بحق الحاكم السابق لمصرف لبنان، رياض سلامة، في سويسرا.

وحرص الحاكم كريم سعيد على استخدام مصطلح «باشر» لوصف الإجراءات القانونية اللازمة للمركزي في فرنسا واللوكسمبورغ والليختنشتاين، مؤكداً أن مصرف لبنان «لا يزال يتابع الدعاوى أمام القضاء اللبناني التي سبق له واتخذ فيها صفة الادعاء الشخصي، ومن بينها تحديداً تلك العالقة أمام جانب الهيئة الاتهامية في بيروت، والتي تتعلق بالاستيلاء على أموال عائدة له من قبل مسؤول سابق كبير في المصرف، بالاشتراك مع محاميين سابقين للمصرف وله».

وكان مصرف لبنان قد قرّر، في تموز 2024، الدخول كطرف مدني، بوصفه متضرراً من قضية الأموال التي يُشتبه باختلاسها من قبل الحاكم السابق رياض سلامة، وذلك في ولاية الحاكم السابق بالإنابة، نائب الحاكم الأول حالياً، وسيم منصوري.

ويُفهم من سياق الحديث أحد أمرين، بحسب ضاهر: إما أن المصرف المركزي يُكمل بالدعوى، أو أنه يباشر بدعوى جديدة. لكن الأهم، برأيه، «إشارة الحاكم إلى أن هذه الإجراءات تتم بالتنسيق الكامل مع هيئة القضايا في وزارة العدل، التي لعبت دوراً محورياً خلال الفترة الماضية، بالتعاون مع محامين بارزين، في متابعة الدعاوى في الخارج، لتسهيل دخول الدولة اللبنانية كمدعٍ شخصي في هذه القضايا، حرصاً على حفظ الحقوق».

أهمية التنسيق

يمكن تلخيص أهمية التنسيق بين الدولة اللبنانية، ممثلةً بهيئة القضايا التي يرأسها القاضي جان القزي، والجهات القضائية الخارجية التي تحقق في قضايا الفساد المرتبطة بملفات المصرفيين وعائلاتهم، بمسارين أساسيين، بحسب ضاهر:

المسار الأول دولي، ويتعلق باسترداد الأموال المتأتية من جرائم الفساد، استناداً إلى معاهدة الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي انضم إليها لبنان عام 2008.

المسار الثاني محلي، ويتعلق باتخاذ الدولة اللبنانية صفة الادعاء الشخصي في الدعاوى الجزائية أو المدنية، بما يسرّع عملية استرداد الأموال.

العقدة التي تتطلب حلاً

تشترط القوانين الدولية ومعاهدة الأمم المتحدة لإعادة الأموال أن يُصار إلى استعمالها في ثلاث غايات أساسية: مكافحة الفقر، التنمية المستدامة، والتعويض على المتضررين من أعمال الفساد.

غير أن المشكلة تكمن في أن القانون الرقم 214 المتعلق باسترداد الأموال المتأتية من أعمال الفساد وتبييض الأموال لا يشير صراحة إلى المودعين ضمن آلية التعويض. إلا أن هذه الثغرة جرى تلافيها في المرسوم التطبيقي للقانون، الموضوع حالياً على طاولة مجلس الوزراء.

من يفسّر كلام الحاكم على أن الحقوق ستُسترد من المفسدين في القطاعين العام والخاص، يمتلئ أملاً. ومن يرى أن المحاسبة الجدية في لبنان ليست سوى «أضغاث أحلام»، يكتئب.
فإضافة هذه الأموال إلى حساب الدين المستحق على الدولة لن تكون، عندها، بداية مسار محاسبة واضح، بل مقدّمة لصراع جديد نعرف كيف يبدأ ولا نعلم كيف ينتهي، وتكون كلفته تحميل المواطنين، ومن بينهم المودعون، أضعاف حقوقهم ضرائبَ ورسومًا على مدى سنوات لا تُحصى.

Lebanon Matters – خاص