يتحمل المودع الثمن الأكبر للتأخر في معالجة أزمة الودائع عن طريق تذويب الودائع، وهو ما شهدناه في السنوات الماضية. تجرأت الحكومة الحالية على أخذ هذه المسؤولية على عاتقها، رغم أن جميع الحكومات السابقة كانت تعرف أهمية قانون الفجوة المالية وتدرك الكلفة الكبيرة لعدم إقراره على الاقتصاد والبلد والمودعين، لكن لم تتجرأ أي حكومة سابقة على اتخاذ هذه الخطوة بسبب الكلفة السياسية المرتفعة.
هدرت المصارف مليارات الدولارات، جزء منها على صفقات عمومية وجزء على تثبيت سعر الصرف وجزء كبير على الفساد المرتبط بالصفقات العمومية وغيرها. اختفى معظم هذه الأموال، مما جعل معالجة الأزمة أكثر تعقيداً.
لا يوجد نظام مصرفي في العالم يستطيع سحب 20 مليار دولار دفعة واحدة أو دفعتين. تبلغ الودائع التي تقل عن 100,000 دولار مجموعها حوالي 20 مليار دولار، وحتى في الولايات المتحدة التي تطبع الدولار، لا يمكن سحب مبلغ كهذا دفعة واحدة. يقترح القانون توزيع سداد الـ 20 مليار دولار على أربع سنوات.
يرفع القانون سقف السحوبات إلى أكثر من 2000 دولار بقليل للمودعين الذين لديهم أقل من 100,000 دولار، وهو ضعف ما يحصلون عليه اليوم. رغم أن هذا ليس الوضع المثالي، إلا أنه أفضل بكثير من الوضع الحالي.
تواجه المصارف تحدياً كبيراً في تأمين 8 مليار دولار من رأس مالها الذي لا يتجاوز 5 مليار دولار، بينما يطلب من المصرف المركزي تأمين 12 مليار دولار من احتياطياته التي هي أصلاً ودائع الدولة لديه. ستتخلى الدولة اللبنانية عن أموال لدى المركزي بقيمة 12 مليار دولار لتتمكن من سداد المبالغ للمودعين حتى حد 100,000 دولار، وهي مبالغ ضخمة تتحملها الدولة.
لا يعتبر هذا القانون مثالياً، ولا يوجد قانون يمكن أن يرضي الجميع في وقت الخسارة. لكن الحكومة أظهرت الشجاعة بوضع قانون إطاري وإحالته إلى مجلس النواب لتحمل مسؤولياته وإجراء أي تحسينات يراها ضرورية.
يتعلق الأمر بسندات مدعومة بأصول مصرف لبنان للودائع التي تتجاوز 100,000 دولار. تحافظ هذه السندات على قيمتها إذا كانت مغطاة بالذهب فعلاً. فإذا كان لدى شخص سند بقيمة 100,000 دولار يستحق بعد 10 سنوات، يمكنه بيعه بحوالي 85,000-90,000 دولار لشخص مستعد للانتظار، حيث يمكن للمشتري وضع المبلغ في البنك والحصول على فائدة لاستعادة القيمة النهائية للسند.
تعني تغطية السندات بالذهب أنه في حال تخلفت الحكومة عن السداد بعد عشر سنوات، يستحق للشخص الذهب الموجود في مصرف لبنان. لكن يوجد من جهة أخرى قانون يمنع التصرف بالذهب، مما يخلق غموضاً كان متعمداً في النسخة المسربة من القانون.
يلقي هذا الغموض الكرة في ملعب مجلس النواب، حيث إذا أراد النواب أن تكون للسندات قيمة كبيرة، عليهم تعديل القانون الذي يمنع التصرف بالذهب. أما إذا لم يعدل مجلس النواب هذا القانون، فستكون قيمة السندات محدودة جداً.
وضع القانون إطاراً عاماً للحل وألقى بالمسؤولية على مجلس النواب لاتخاذ القرار بشأن كيفية إعادة أموال المودعين. يمكن للسندات في الأسواق المالية أن تساوي أحياناً أقل من قيمتها أو تساوي قيمتها أو حتى أعلى من قيمتها.
تبلغ قيمة الذهب لدى لبنان 38 مليار دولار، وإذا غطيت السندات بكامل الذهب، ستساوي أكثر من قيمتها. لذلك، إذا قرر مجلس النواب التصرف بالذهب، لا يجب تغطية هذه السندات بكامل الذهب الموجود في لبنان، بل يكفي تغطيتها بنصف الكمية على الأكثر لتغطية كامل السندات وإعطائها قيمة كافية.
يبلغ حجم الودائع المتبقية بالدولار في القطاع المصرفي 85 مليار دولار، منها 15 مليار دولار في الصندوق بين رأس مال المصارف والاحتياطي الإلزامي، مما يخلق فجوة قدرها 70 مليار دولار. يعني ترك العلاقة بين المودع والمصرف دون تدخل أن المصرف قد خسر 70 مليار دولار من أموال المودعين، وهذه هي التضحية بالمودع.
تدخلت الحكومة لتقول إنها لن تترك المودع لمصيره مع المصرف، لأن فجوة الـ 70 مليار دولار تشكل خسارة بنسبة 83% تقريباً. حاولت الحكومة إعادة 100,000 دولار لكل المودعين حتى هذا الحد نقداً، بينما سيدفع كل ما يفوق الـ 100,000 دولار بسندات مضمونة من مصرف لبنان.
أخذ مصرف لبنان على عاتقه تحمل خسارة المودعين، لأنه لو سار الأمر بالشق القضائي حصراً، لكان المودعون قد فقدوا 83% من ودائعهم. تحاول الدولة اليوم تحسين وضع المودعين قدر الإمكان، وترتبط قيمة السندات بالضمانات التي تقف وراءها، وهو أمر سيقرره مجلس النواب.
يشكل المصرفيون المتضرر الأكبر من هذا القانون، حيث يطلب من المصارف تأمين 8 مليار دولار على أربع سنوات، وهي مهمة صعبة لكن يمكن حلها إذا عاد النمو إلى البلد. تكمن المشكلة في أن بعض المصرفيين حققوا أرباحاً طائلة من الهندسات المالية، كما حصل بعض المودعين على فوائد مرتفعة جداً منها.
يجب على المصرفيين الذين حققوا أرباحاً من الهندسات المالية أن يردوا جزءاً أكبر من أرباحهم، حيث ينص القانون على إعادة كل ما يفوق 2%. ينطبق الأمر نفسه على المودعين الذين استفادوا من هذه الهندسات، والذين قد يكونون مصرفيين أو سياسيين.
يفرض القانون غرامة بنسبة 30% على الأشخاص الذين حولوا أموالهم إلى الخارج بعد عام 2019، عندما كان الشعب اللبناني ممنوعاً من سحب أمواله. هؤلاء الذين حولوا أموالهم للخارج هم إما سياسيون نافذون أو مصرفيون، وهم من يستهدفهم هذا القانون بشكل أساسي.
لا يقوم هذا القانون بالمحاسبة الكاملة، حيث تحتاج المحاسبة إلى قانون آخر، ويجب أن يحصل تدقيق جنائي. لكن إطار هذا القانون يحاول معالجة مشكلة الفجوة، ولا يمنع وجود تدقيق جنائي لاحق.
يعتبر المصرفي الذي استفاد من الهندسات المالية وحقق مبالغ كبيرة ثم حولها إلى الخارج عندما كان بقية الشعب أو السياسيين غير قادرين على ذلك هو أكبر المتضررين من هذا القانون. يفسر ذلك الضجة الكبيرة في البلد حول الموضوع، حيث يحاولون إيهام المودع بأنه الخاسر الأكبر، رغم أن مصير المودع مرتبط بقرارات مجلس النواب وقد لا يكون الخاسر الأكبر بل قد يكون الرابح الأكبر.
يتأكد الخسران لكل من كان قد حول أمواله إلى الخارج. لا يشمل ذلك كل المصرفيين، فهناك مصرفيون مستعدون اليوم لإدخال رأس مال جديد والعودة للعمل، ومستعدون لإعادة الأموال التي حولوها للخارج إذا كانوا قد فعلوا ذلك. لكن هناك مصرفيون حولوا مليار دولار إلى الخارج ولا يريدون التنازل عن أي شيء منها، وهؤلاء يجب النظر في كيفية التعامل معهم.
تفسر هذه الأسباب الضجة الكبيرة حول هذا القانون، وإذا أخذت المرجعية إلى مجلس النواب، سنرى ما سيحصل هناك من تطورات.