تتقاطع التجربتان المصرية واللبنانية في عدد كبير من المؤشرات الاقتصادية القاتمة. فالبلدان يواجهان أزمة اقتصادية عميقة، وتضخمًا متسارعًا، وعجزًا مزمنًا في الموازنة، وارتفاعًا لافتًا في الدين العام. كما يعتمدان على مصادر غير مستقرة لتأمين العملات الأجنبية، في مقدّمها السياحة وتحويلات المغتربين. وإلى ذلك، يتشاركان عبء قطاع عام مهيمن على المرافق الإنتاجية، متضخم عدديًا، ومرتفع الكلفة التشغيلية. غير أن هذا التشابه بدأ يتراجع في السنوات الأخيرة، مع بروز اختلافات جوهرية في مقاربة المعالجة. ففي عام 2022، اتخذت مصر قرارًا حاسمًا بـ “التخارج” من القطاع العام، عبر بيع حصص في شركات مملوكة لها كليًا أو جزئيًا، والاكتفاء بدور المنظّم.
إذا كانت هيمنة القطاع العام في مصر إرثًا يعود إلى حقبة التأميم الناصرية في مطلع ستينيات القرن الماضي، فإن استمرار هذا الواقع في لبنان يعود إلى تقاطعه مع مصالح النخبة السياسية، وعدم الاكتفاء من استخدامه كحديقة خلفية للتوظيف وعقد الصفقات. غير أن مصر أدركت، في وقت متأخر، أن الخروج من أزمتها الاقتصادية يمرّ حتمًا عبر «التخارج» من عبء قطاع عام يفاقم العجز في الموازنات ويقيد النمو. وقد تعززت هذه القناعة مع إدراك أن هذا المسار يشكل أحد الركائز الأساسية للبرنامج الإنقاذي المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي.
القطاع العام المصري بالأرقام
تمتلك 45 جهة حكومية في مصر، من بينها الجيش، ما مجموعه 561 شركة، وفق إحصاء الشركات المملوكة للدولة الذي أُجري في آب/أغسطس 2025. وتنتشر هذه الشركات على 18 قطاعًا اقتصاديًا مختلفًا، تتصدرها الصناعات التحويلية بعدد 175 شركة، تليها أنشطة الخدمات الإدارية والدعم بـ77 شركة، ثم قطاع النقل والتخزين بـ50 شركة، فالأنشطة المالية والتأمين بـ49 شركة، وقطاع العقارات بـ48 شركة. وتبلغ حصة هذه الشركات نحو 85 في المئة من مجمل المحلي الاجمالي.
وبحسب أحدث المعطيات، تحقق 364 شركة مملوكة للدولة أرباحًا، في مقابل 78 شركة خاسرة و14 شركة مستقرة، فيما لا تزال أوضاع 105 شركات غير محسومة بسبب عدم اكتمال بياناتها المالية. وترد هذه الأرقام في التقرير الثالث لمتابعة تنفيذ سياسة ملكية الدولة، الصادر عن مجلس الوزراء المصري.
الخطوات الإجرائية
إزاء هذه التحديات، أطلقت الحكومة المصرية وثيقة “سياسة الملكية العامة”، التي تمثل استراتيجية متوسطة المدى للتخارج من القطاع العام، وإعادة التوازن إلى الاقتصاد، وجذب الاستثمارات، وتحسين كفاءة الإنتاج. وسنّت الحكومة مجموعة من الإصلاحات التشريعية، أهمها:
- القانون رقم 170 لسنة 2025 “تنظيم بعض أحكام الملكية في الشركات المملوكة للدولة كليًا أو جزئيًا”، ومن شأن هذا القانون تسريع الخصخصة ورفع القيود عن التصرف في أسهم شركات القطاع العام.
- تأسيس وحدة الشركات المملوكة للدولة بموجب القانون نفسه.
- إنشاء صندوق مصر السيادي (TSFE) ليكون الآلية الرئيسية لحيازة أصول الدولة ثم بيعها.
- تفعيل برنامج الخصخصة وفتح برنامج الاكتتاب العام الأولي لجذب الاستثمارات الخاصة.
تسريع التخارج في 2026
بعد التباطؤ الذي شهدته عملية التخارج بين العامين 2022 و2025، بدأت وحدة الشركات المملوكة للدولة أعمالها مطلع العام الحالي. وستعمل “الوحدة” على حصر أصول شركات الدولة وتقييمها، وتحديد حجم محفظتها خلال خمسة أشهر، بحسب تصريح إعلامي لرئيسها، هشام السيد، الذي قدّر قيمتها بتريليونات الجنيهات. ومن المرجح أن تشهد هذه العملية تسارعًا كبيرًا خلال هذا العام، بعد دمج صندوق النقد الدولي مراجعته الخامسة والسادسة لبرنامجه التمويلي، نتيجة بطء تقدم الحكومة في التخارج من ملكية الشركات العامة لصالح القطاع الخاص.
وبحسب التصريحات الإعلامية للمسؤولين المصريين، ستتضمن عمليات التخارج في الأيام والأسابيع المقبلة طروحات لشركات عملاقة في البورصة، ولو بنسب صغيرة. ويرتقب المستثمرون طرح شركتي “وطنية” و”صافي”، التابعتين لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية، بعد الاتفاق مع صندوق مصر السيادي وبنكي الاستثمار “إي إف جي هيرميس” و”سي آي كابيتال” على ترويج وتغطية الاكتتاب.
بين إرث الليبرالية وقبضة الاحتكار: فصام الاقتصاد اللبناني
خلافًا للمسار الذي تسلكه مصر حاليًا، تُبدي النخب السياسية في لبنان تمسكًا مفرطًا بالملكية العامة، فيما تجابه الأوساط الشعبية أي دعوات للخصخصة بحملات شعواء، رغم التردي الحاد في جودة الخدمات وارتفاع كلفتها. ومن المفارقات المستهجنة أن لبنان، الذي عُرف تاريخيًا بنهجه الليبرالي المنفتح، ولم تصله «عدوى التأميم» التي اجتاحت دولًا عربية عدة، لا يزال يرزح تحت هيمنة حكومية احتكارية تطال قطاعات إنتاجية وخدماتية واسعة.
ولمن يعتقد أن هذه الهيمنة تقتصر على قطاعات استراتيجية تهدف إلى حماية المواطنين من «جشع الرأسمالية»، فهو واهم أو مضلل في أحسن الأحوال. فالدولة اللبنانية تبسط سيطرتها الحصرية على مجالات بعيدة كل البعد عن مفهوم «الخدمة الاجتماعية»؛ إذ تحتكر استيراد وتصنيع التبغ عبر إدارة «الريجي»، وتستأثر بألعاب الميسر من خلال «كازينو لبنان»، وتمتلك حصة حصرية في قطاع الطيران عبر شركة «طيران الشرق الأوسط».
أما في القطاعات التي يُفترض أن تُدار لتأمين الخدمات الأساسية ورفد الخزينة، مثل الكهرباء والاتصالات، فالأرقام تروي قصة أخرى من الفشل. فالمفارقة تكمن في أن قطاع الكهرباء يمثل العبء الأكبر على الخزينة العامة والمالية العامة واستقرار سعر الصرف؛ ولو قُدّر للبنان بيع هذا القطاع للقطاع الخاص عام 2000، ولو بـ«دولار واحد»، لكانت البلاد قد وفّرت نزيفًا ماليًا تجاوز 40 مليار دولار.
والأمر ذاته ينطبق على قطاع الاتصالات، الذي تراجعت مساهمته في الموازنة من 1.6 مليار دولار في نهاية التسعينيات إلى أقل من 300 مليون دولار حاليًا. أما قطاع المياه، فبعد دمج مصالحه في أربع مؤسسات مركزية تديرها الدولة، بات المواطن يدفع فعليًا ما يوازي خمسة أضعاف الفاتورة الرسمية لتأمين المياه من مصادر بديلة، نتيجة غياب الخدمة الحكومية.
التخارج الحكومي من القطاع العام اللبناني أصبح ضرورة لاستعادة صحة الاقتصاد. فباستثناء عدد قليل من مؤسسات الدولة التي تحقق أرباحًا ضئيلة، وخصوصا إذا ما قارناه مع الحق الحصري المعطى لها ، فإن بقية المؤسسات تثقل كاهل الموازنة، إما بالدفع المباشر عليها مثل الكهرباء، أو من خلال التوظيف السياسي في أروقتها، الذي يمتص حوالي 85٪ من موازنة الدولة المحدودة. أما عملية الخصخصة، التي أجلت كثيرًا، فقد حان الوقت لإعادتها إلى سكة التعاطي السليم والمنطقي، في ظل جو تنافسي يضمن تقديم أفضل الخدمات بأقل الأسعار.
