هل ولدت “الهيئة الناظمة للكهرباء” بلا نبض؟

الهيئة الناظمة للكهرباء

كشفت جريدة الأخبار أن الهيئة الناظمة للكهرباء لم تباشر عملها فعلياً بعد، بسبب امتناع رئيسها المعيّن محمد عبد الرحمن جمال عن ترك عمله في دولة الإمارات والالتحاق بمركز عمله في لبنان، مكتفياً بإدارة شؤون الهيئة عبر اجتماعات تعقد بواسطة تطبيق «زوم».

وإلى جانب هذا التعطيل العملي، لم يُسجَّل أي رصد مالي للهيئة في مشروع موازنة العام 2026، سواء لتغطية الرواتب أو النفقات التشغيلية، ما يطرح علامات استفهام إضافية حول جدية إطلاقها.

هيئة أبصرت النور على الورق في 2025

وكان مجلس الوزراء، في جلسته المنعقدة بتاريخ 11 أيلول 2025 في قصر بعبدا، برئاسة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، وبحضور رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام والوزراء، قد عيّن الهيئة الوطنية لتنظيم قطاع الكهرباء برئاسة محمد عبد الرحمن جمال، وعضوية كل من دانيال يوسف جحا، زياد رحمه، سورينا مرتضى، وهنري ضاهر.

غير أن هذا التعيين، على أهميته، بقي حتى الآن خطوة شكلية أكثر منه انطلاقة فعلية لهيئة يُفترض أن تكون حجر الزاوية في إصلاح قطاع الكهرباء.

جذور الهيئة وأهدافها

يعود الأساس القانوني للهيئة الناظمة إلى القانون 462 الصادر عام 2002، والذي نصّ صراحة على إنشاء هيئة مستقلة لتنظيم قطاع الكهرباء، ومنحها صلاحيات واسعة تشمل إصدار التراخيص، وضع المعايير التقنية، الإشراف والرقابة، وتنظيم الإنتاج والتوزيع، بهدف تحرير القطاع وتحديثه واستقطاب الاستثمارات وتأمين التمويل الذاتي.

وقد كان الهدف الجوهري للقانون 462 إخراج قطاع الكهرباء من احتكار الدولة، وتحقيق ملاءته المالية، من دون التخلي عن الملكية العامة، بل عبر شراكة مدروسة مع القطاع الخاص، تتيح تطوير المؤسسة العامة وتحويلها إلى شركة مساهمة حديثة تُدرج أسهمها في بورصة بيروت.

صلاحيات معطّلة رغم اتساعها

تتمتع الهيئة الناظمة بصلاحيات أساسية، أبرزها:

إصدار وتجديد وتعليق وإلغاء التراخيص والأذونات.

منح أذونات إنشاء وتطوير وتشغيل تجهيزات الاستعمال الخاص.

إعطاء الإجازات لربط منتجي الطاقة المتجددة بالشبكة العامة.

وضع الشروط والمقاييس التقنية للمعدات الكهربائية حفاظاً على السلامة العامة.

وتكتسب هذه الصلاحيات أهمية إضافية بعد إقرار القانون 318/2023 المتعلق بإنتاج الطاقة المتجددة والموزعة، والذي ربط تطبيقه صراحة بوجود هيئة ناظمة فاعلة، ما يجعل تعطيل الهيئة تعطيلًا مباشراً لتطوير هذا القطاع الواعد.

بين الإصلاح والهيمنة السياسية

على الرغم من مرور أكثر من عقدين على إقرار القانون 462، بقيت الهيئة الناظمة أسيرة التعطيل، بفعل خشية الوزراء المتعاقبين من تقويض ما اعتبروه «صلاحياتهم الحصرية»، وإضعاف نفوذهم السياسي على مفاصل قطاع يُستخدم تاريخياً كأداة زبائنية وانتخابية.

واليوم، ومع ولادة هيئة لا تجتمع إلا افتراضياً، ولا موازنة لها، ولا إدارة متفرغة، يبرز السؤال الجوهري:

هل وُلدت الهيئة الناظمة للكهرباء مصابة بداء التعطيل المزمن، نتيجة غياب الإرادة السياسية لتحصينها من التدخلات، أم أن الأيام المقبلة ستكشف عن محاولة جدية أخيرة لإنقاذ قطاع استنزف الدولة والمواطن معاً؟