قانون الفجوة المالية بين التشريع والتأجيل.. مصير مجهول في البرلمان

الفجوة

يُنقل عن أحد النواب «الظرفاء» قوله إنّ مشاريع واقتراحات القوانين تدخل البرلمان «لحمة»، وتخرج «هوت دوغ». فقليلة، إن لم نقل هامشية، هي القوانين التي تبقى على «كيانها»، ولا تطالها تعديلات جوهرية تنسف مضمونها في أحيان كثيرة. هذا ما رأيناه بوضوح في قانون تعديل السرية المصرفية الرقم 306/2022، وفي قانون «إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها» المقرّ في تموز 2025. الأول أتى مخالفًا لتوصيات صندوق النقد، ما استدعى إدخال تعديلات جذرية عليه بعد ثلاث سنوات، فيما يُتوقَّع أن يعاود النواب تعديل قانون الهيكلة قريبًا، بعد الانتهاء من إقرار موازنة 2026. فهل يلاقي قانون الفجوة مصير أترابه من القوانين؟

مناسبة طرح السؤال لا ترتبط فقط بـ«تنّيم» مشروع القانون المُحال بالمرسوم الرقم 2224 في 29 كانون الأول 2025، إنما أيضًا بشكوكٍ مصاحبة في الشكل والمضمون.

هواجس في الشكل والمضمون

من حيث الشكل، أقرّ مجلس الوزراء مشروع القانون بأغلبية خجولة، إذ صوّت 13 وزيرًا مع القانون، وعارضه 8 وزراء، يمثّلون «القوات اللبنانية» و«حزب الله» و«حركة أمل» و«الكتائب». وتتمثّل هذه الأحزاب، مع حلفائها، بعدد وازن في البرلمان يفوق 60 نائبًا من أصل 128 نائبًا. أمّا من حيث المضمون، فيُستشفّ من تصريحات مختلف النواب، بمن فيهم الذين يمثّلون الكتل التي صوّتت في مجلس الوزراء لمصلحة القانون، والنواب التغييريين، عدم رضاهم عن كثير من بنوده، واعتزامهم إدخال تعديلات جذرية عليه.

يحتلّ مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع المرتبة الثالثة على قائمة لجنة المال والموازنة النيابية، بصفتها محطته الأولى في «درب جلجلته». فالأولوية هي للانتهاء من موازنة عام 2026 وإقرارها في الهيئة العامة، ومن ثم مناقشة التعديلات المطلوبة على قانون هيكلة المصارف، وبعدها تتفرّغ اللجنة لدراسة مشروع القانون، إن ظلّ في الوقت المهلة. فولاية المجلس الحالي تنتهي بعد أقل من أربعة أشهر. وتُعتبر فترة التحضيرات للانتخابات المقبلة محطة فاصلة في مسيرة وطريقة تعاطي الكتل النيابية مع القوانين، إذ تتوقف عن إقرار كل ما يتنافى مع مصالح قواعدها الشعبية أو يسبّب نقمة عليها. وليس هناك أكثر من قانون الفجوة الذي يبحث في مصير مئات آلاف المودعين، من مقيمين ومغتربين، وبمبلغ يتجاوز 80 مليار دولار تبخّرت خلال سنوات الانهيار وما قبلها.

“لوبي” لنسف القانون

«الكباش» السياسي حول القانون أمرٌ مفروغ منه، يؤكّد النائب فراس حمدان، وذلك بالنظر إلى حجم المصالح المعقّدة «السياسية –المصرفية» التي يحفر بها عميقًا، وبحكم طبيعة هذا القانون الذي يمسّ بشكل مباشر الحقوق المادية لشريحة واسعة من المواطنين. ومع العلم أنّ «مشروع القانون أساسي وإصلاحي بامتياز، وكان يجب إقراره بالأمس قبل اليوم، واليوم قبل الغد»، يضيف حمدان، «للإنتهاء من مشكلة عمرها ستّ سنوات، وإيقاف النزيف الاقتصادي والتدهور الدراماتيكي الذي شهدناه على مدار هذه السنوات».

وصول مشروع القانون إلى مجلس النواب، تزامن مع حملة ضغط إعلامية وإعلانية لنسفه عن بكرة أبيه. ويطالب المعترضون بجملة من التعديلات، أبرزها:

  • اعتبار “الأزمة نظامية”، في منشأها وليس بتداعياتها، مع ما يفرضه هذا التصنيف من نقل كل الخسائر المترتبة على كاهل الدولة.
  • عدم اعتماد مبدأ تراتبية المسؤوليات والخساشر في توزيع الأعباء، وعدم المس بما تبقى من رساميل المصارف.
  • استخدام جزء يسير من احتياطي الذهب لتأمين السيولة المطلوبة لإعادة حتى 100 ألف دولار من كل حساب.
  • عدم المطالبة باسترجاع المبالغ المحولة إلى الخارج منذ العام 2019، أو فرض ضريبة عليها بنسبة 30 في المئة.
  • وقف كل الملاحقات وأعمال التدقيق في حسابات المصرفين وعائلاتهم، وتحميلهم مسؤولية وقوع الانهيار.
  • استعادة جزء من القروض التي سددت باللولار وليس فقط تلك التي سددت بالليرة وبمبالغ تفوق 750 ألف دولار.

التسرع لا يفيد

في مقابل الشروط التي لا يمكن أن تُطاع، لأنها ببساطة خارج المستطاع على مختلف المستويات، تبرز لدى النواب اعتراضات أكثر منطقية على مشروع القانون. فـ«المشروع، بالشكل الذي وصل به إلى البرلمان، لا يمكن أن يمرّ»، يقول النائب الدكتور رازي الحاج. وبرأيه، يجب أن تبدأ المقاربة بالأرقام، وتحديد المسؤوليات على كل طرف بشكل واضح لا لبس فيه، والنظر في قدرة كل طرف من هذه الأطراف على تسديد ما يتوجّب عليه. ويضيف الحاج: «معارضتنا له ليست في سبيل تضييع المزيد من الوقت، إنما للتسريع في إيجاد الحل». فإذا كان من المهم عدم التأخير في إقرار القانون، فإن الأهم هو عدم «سلقه»، كي لا يلاقي مصير القوانين التي أُقرّت «عالسريع»، واستدعت ملاحظات جديدة من صندوق النقد. فصحّة التشريع لا تكمن في التسرّع في إقرار القوانين.

الفجوة ومصير صناديق التقاعد

في موازاة هذه التعديلات، تطالب نقابات المهن الحرة بإيجاد حل لمدّخراتها في المصارف، والمخصّصة للمساعدات الاجتماعية وتعويضات نهاية الخدمة لأفرادها. فهذه النقابات تمتلك نحو مليار دولار كودائع في المصارف، منها 500 مليون دولار لنقابة المهندسين وحدها، كما تضع النقابات في صناديق التقاعد مبلغًا يناهز 389 مليون دولار.

ومن غير المنطقي معاملة هذه الحسابات كودائع أفراد، وتعويضها لحدّ مئة ألف دولار في السنوات الأربع الأولى، وتحويل المتبقي إلى شهادات أو سندات مقسّطة على مدى 10 و15 عامًا. ومن شأن مثل هذه المعالجة تحميل الدولة أكلافًا مضاعفة، نتيجة تردّي الوضع الاجتماعي واضطرارها، خلال السنوات المقبلة، إلى تحمّل مطالب عشرات آلاف المتقاعدين والمنتسبين إلى هذه النقابات التي تعجز عن مساعدتهم.

وبحسب النائب فراس حمدان، «من المطلوب إدخال تعديلات على هذا القانون لإنصاف كبار السن من المودعين وصناديق النقابات، التي تمثّل مئات آلاف العائلات اللبنانية». وأضاف: «ما يزيد من مخاوفنا تعمّد مجلس النواب عدم حماية هذه الحسابات في قانون إعادة هيكلة المصارف المُقرّ في العام الماضي، وسيكون لنا موقف بإعادة طرح إدراج هذه الصناديق ضمن تغطية فورية في إطار استرجاع حقوق المودعين وودائع أصحاب نقابات المهن الحرة».

الليرة والذهب

بالإضافة إلى ذلك، من المتوقّع أن يأخذ ملفّا ودائع الليرة واحتياطي الذهب حصة وازنة من النقاش والتعديل. فقيمة الودائع بالليرة اللبنانية في المصارف التجارية تبلغ 78,152 مليار ليرة لغاية تشرين الأول الماضي، بحسب البيان الموجز لجمعية المصارف، وقد أصبحت قيمتها تعادل 868 مليون دولار فقط، بعدما كانت توازي نحو 52 مليار دولار على سعر صرف 1500 ليرة.

ويُضاف إلى ذلك شريحة حاملي الأسهم التفضيلية التي لم يتطرّق إليها القانون، بل تعامل مع حامليها كأنهم مستثمرون يَعون مخاطرها، والمتمثّلة في توقّف المصارف عن توزيع الحقوق في حال عدم تحقيقها أرباحًا. وعلى الرغم من عدم وجود رقم دقيق لقيمة هذه الأسهم، إلّا أنّها تُقدَّر بمئات ملايين الدولارات، وسيجري شطبها بعدما توقّفت المصارف كليًا عن توزيع أنصبة الأرباح لحامليها منذ ستّ سنوات.

مع العلم أنّ مصرف لبنان أشار في التعميم رقم 156 الصادر عام 2020 إلى أنّ هذه الأسهم سُوِّقت لأشخاص طبيعيين (أفراد) على أساس أنّها مضمونة الفوائد، من دون الإفصاح بوضوح عن المخاطر المترتّبة عليها، وطالب بـ«معالجة مخالفات المصارف في تسويق الأسهم التفضيلية»، وهو ما تجاهلته المصارف وتغافل عنه القانون.

أمّا في ما يتعلّق بـ الذهب، فإن هذا الاحتياطي، الذي بلغت قيمته عند كتابة هذه السطور نحو 45 مليار دولار، يشكّل نقطة تباين كبيرة بين من يطالب ببيعه لتسديد حقوق المودعين، وبين من يعتبره «ذخيرة للأجيال القادمة» يجب أن تبقى خارج الحسابات السياسية. ويُذكر أنّ مصرف لبنان يملك 9 ملايين و221 ألف أونصة ذهب، بسعر يقارب 4,856 دولارًا للأونصة في العقود الفورية.

وفي هذا السياق، ينصّ مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، في المادة 12 منه، على أنّ الشهادات التي يصدرها مصرف لبنان عن الودائع التي تفوق 100 ألف دولار تكون معزّزة بإيرادات الأصول التي يملكها مصرف لبنان ومداخيلها، وبعائدات تصفية هذه الأصول في حال حصولها، وذلك بما لا يخالف أحكام القانون رقم 42/86 المتعلّق باحتياطي الذهب لدى مصرف لبنان. وإن كان هذا النص يحمي الذهب من السداد خلال السنوات الأربع الأولى في حال إقرار القانون، إلّا أنّه يتركه عرضة للشك في السنوات اللاحقة.

يُقال في مجلس النواب اللبناني أيضًا، إن الداخل مفقود والخارج مولود، في معرض التأخّر بإقرار العديد من القوانين، وأحياناً مع تشوّهات كثيرة. وعلى سبيل المثال، فإن قانون الحماية الاجتماعية الذي أُقرّ في العام 2023، بدأ النقاش به في بداية الألفية، وما زالت مراسيمه التطبيقية لم تصدر بعد. فهل يلاقي قانون الفجوة المالية، المصير المجهول نفسه، أم انه يخالف المتوقع؟ غدًا لناظره قريب.