برلمان لبنان يقرّ موازنة 2026 بناءً على سرديات غير دقيقة

برلمان لبنان يقرّ موازنة 2026 بناءً على سرديات غير دقيقة

أقرّ البرلمان اللبناني، يوم الخميس، الموازنة العامة للعام 2026، التي تفتقد إلى رؤية إصلاحية شاملة وتتجاهل جوهر الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها لبنان منذ أواخر عام 2019، مكرّرةً ثغرات سابقاتها، وذلك على وقع تحركات احتجاجية غاضبة رافقت الجلسات من قبل موظفي الإدارة العامة والعسكريين المتقاعدين والأساتذة المطالبين بتصحيح رواتبهم. وصادق مجلس النواب على مشروع قانون الموازنة العامة للعام 2026 بأكثرية 59 صوتاً، مقابل 34 صوتاً معارضاً و11 صوتاً ممتنعاً، بعد ست جلسات امتدت على مدى ثلاثة أيام، شهدت تحركات تصاعدية تخللها تسجيل بعض الإشكالات، ومحاولة المتظاهرين الدخول إلى ساحة البرلمان، إلى جانب إقفال عدد من الطرقات في مختلف المناطق اللبنانية.

وصوّتت كتل “الوفاء للمقاومة”، و”التنمية والتحرير”، و”اللقاء الديمقراطي” (باستثناء النائب راجي السعد)، وبعض النواب التغييريين، لمصلحة الموازنة، في مقابل رفضها من كتل “الجمهورية القوية”، و”لبنان القوي”، والنواب الأرمن، وبعض النواب المستقلين، فيما امتنع عدد من النواب المستقلين وكتلة الكتائب عن التصويت. وجاءت موازنة عام 2026، التي تُقدَّر نفقاتها الإجمالية بنحو ستة مليارات دولار، في “شكل تجميلي” رافقته خطابات نيابية إنشائية رنّانة هدفت إلى إخفاء عيوبها الجوهرية، ولا سيما تلك المرتبطة بالعجز، وارتفاع الضرائب والرسوم، وعدم إعادة هيكلة القطاع العام، وعدم كفاية التقديمات الاجتماعية، إلى جانب تجاهل بوابات عدة يمكن أن تدرّ أموالاً كبيرة على الدولة، وترك منافذ التهريب والتهرّب الضريبي مفتوحة.

وخلال الجلسات، تعهّد رئيس الوزراء نواف سلام ووزير المال ياسين جابر بفتح اعتماد بكلفة تصل إلى 60 مليون دولار أميركي لتغطية التعويضات المدرسية للعسكريين المتقاعدين بنسبة 100%، بعدما كانت 50%، إضافة إلى تصحيح التعويضات العائلية، مع تعهّد بإرسال مشروع مفصّل لتصحيح الرواتب التقاعدية في شهر فبراير/شباط المقبل. إلا أنّ هذه التعهدات لم تلقَ قبول المحتجّين، في ظلّ ما يرافقها من وعود كلامية لا تُترجم ميدانياً.

ودعت بعض الروابط والتيارات النقابية إلى تحركات تصعيدية في الأيام المقبلة، اعتراضاً على عدم إنصاف موظفي القطاع العام وتجاهل مطالبهم، ومن بينها التيار النقابي المستقل، الذي دعا إلى اعتصام تحذيري في الثالث من فبراير المقبل، مشدداً على أنّ الموازنة أُقِرّت من دون أن تلحظ قرشاً واحداً للقطاع العام، فيما تأتي نسبة 82% من وارداتها من ضرائب تطاول الفقراء، وتُحتسب على أساس سعر صرف السوق، مقابل وعود قُدّمت للعسكريين بتمرير زيادات خاصة لهم تشمل الأقساط المدرسية والرعاية الصحية. وطالب تجمّع العمال والمستخدمين في لبنان، قطاع العمال في التجمّع الوطني الديمقراطي، بـ”تصحيح الأجور، ورفع الحدّ الأدنى للأجور إلى ما يوازي ألف دولار، وإنصاف العاملين في القطاع العام، والدفاع عن حق السكن”.

وفي قراءة للموازنة، يقول الكاتب الاقتصادي علي نور الدين لـ”العربي الجديد” إن الإيجابي في موازنة عام 2026 يتمثّل في ارتفاع معدّل الإنفاق بأكثر من مليار دولار، وهو أمر مطلوب، ولا سيما أنّ الدولة حققت في العام الماضي فائضاً كبيراً بلغ نحو 25% من حجم الموازنة، أي ما يقارب 4% من الناتج المحلي، ما يعني أنّ الدولة كانت تجبي إيرادات من دون إنفاقها، خصوصاً في ظل عدم تصحيح الأرقام وفق واقع الجباية الجديد. ويضيف أنّ الموازنة واءمت النفقات وزادتها، وصحّحت اعتمادات نحن بحاجة إليها، كما أنّ الإجراءات التي اتخذتها وزارة المال لتحسين الجباية ساهمت في تحقيق قفزة ملحوظة على مستوى الإيرادات.

في المقابل، يشير نور الدين إلى أنّ من أبرز مشاكل هذه الـ موازنة أنّ معدّل الإنفاق لا يزال يوازي ثلث مستوياته قبل أزمة عام 2019، موضحاً أنّ العودة إلى تلك المستويات غير ممكنة بالإيرادات الحالية، ما يستوجب قفزة أكبر في الإيرادات والنفقات، وورشة إصلاح ضريبي شاملة لا تزال غائبة. ورغم وعد وزير المال بقانون جديد لضريبة الدخل، فإنّ أي إصلاح ضريبي فعلي لم يتحقق حتى الآن. ويضيف أنّ المشكلة الثانية تتعلق بموظفي القطاع العام، إذ لم يتم الوصول إلى مستوى مقبول لتحسين رواتبهم بما يوازي على الأقل مستويات ما قبل الأزمة، رغم تراجع عددهم نتيجة الاستقالات والشغور، إلى جانب المشكلة المتكررة المتمثّلة بعدم وجود قطع حساب، أي غياب المحاسبة لنفقات السنوات الماضية.

ويؤكد نور الدين أنّ لبنان، وخصوصاً منذ عام 2019، لم يعتمد خطة إنقاذ اقتصادية شاملة تندرج ضمنها الموازنة والسياسة المالية وتتكامل معها لتحقيق أهدافها، وفي ظل غياب هذه الخطة تبقى الموازنات أقرب إلى تمارين محاسبية. من جهته، يقول الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق خالد أبو شقرا لـ”العربي الجديد” إنّ “هذه الموازنة، شكلياً، لا تتضمن عجوزات ولا زيادات في الضرائب والرسوم، وتشمل بعض التقديمات الاجتماعية، وإن كانت غير كافية وقد أثارت نقمة الموظفين والمتقاعدين”، لافتاً إلى أنّها بُنيت على سرديات غير صحيحة وغير دقيقة.

ويضيف أبو شقرا أنّ الـ موازنة، في مضمونها، تتضمن عجوزات فعلية، إذ لا تشمل القروض التي أبرمها لبنان مع الجهات الخارجية، ولا سيما مع البنك الدولي بقيمة 1.8 مليار دولار، ولا فاتورة النفط المستحقة للحكومة العراقية بما لا يقل عن 1.6 مليار دولار، كما تستمر في تجاهل الديون بالعملة الصعبة (اليوروبوند) التي تتجاوز قيمتها مع فوائدها 45 مليار دولار، من دون أي مقاربة لمسؤولية الدولة أو كيفية معالجة الفجوة المالية. وبجمع هذه النفقات، يتبيّن أنّ الموازنة تعاني من عجز فعلي.

ويتابع أنّ سردية عدم زيادة الضرائب والرسوم غير دقيقة أيضاً، إذ إن موازنة عام 2025 بلغت نحو 4.7 مليارات دولار، فيما تصل موازنة 2026 إلى قرابة ستة مليارات دولار، أي بزيادة تقارب 1.3 مليار دولار لا يُعرف مصدر تمويلها، في ظل غياب واردات استثنائية أو قروض جديدة، ما يعني أنّ هذه الزيادة ستُؤمَّن أساساً من الرسوم. ويشير أبو شقرا إلى أنّ القول إن الموازنة تتناسب مع النمو والإنماء غير صحيح، إذ إن تفصيلها يظهر أنّ ثلاثة أرباعها تقريباً تأتي من الضرائب والرسوم المقدّرة بنحو 4.5 مليارات دولار، في حين لا تتجاوز إيرادات الدولة من مؤسساتها ملياراً إلى 1.2 مليار دولار.

ويلفت إلى أنّ الدولة تمتلك حقوقاً احتكارية في مؤسسات إنتاجية عدة، مثل كهرباء لبنان، والاتصالات، والمياه، وغيرها، لكنها لا تستفيد منها بأكثر من مليار دولار، فيما يذهب الإنفاق بمعظمه إلى الرواتب، وإيجارات المؤسسات، وتكاليف الصيانة، ما يطرح تساؤلات جدّية حول إمكانية تحقيق الإنماء من دون إعادة هيكلة فعلية للقطاع العام. ويشدّد أبو شقرا على أنّ هذه الموازنة تفتقد إلى الرؤية، في حين يفترض أن تكون الموازنة نصاً يعكس وجهة الاقتصاد وخياراته.

ويختم بالإشارة إلى أنّ الموازنة تعتمد بنسبة تقارب 83% على الضرائب، 73% منها غير مباشرة، وتأتي أساساً من الرسوم الجمركية والضريبة على القيمة المضافة، وهي ضرائب لا تُجبى من جميع المؤسسات والمستوردين في ظل ارتفاع معدلات التهرّب والتهريب، في حين لا يُستوفى شيء من قطاعات عديدة، مثل المرامل والكسارات والأملاك البحرية والمؤسسات الاستثمارية والاستراحات وغيرها.

اضغط هنا لقراءة المقال على موقع العربي الجديد