العدّ العكسي بدأ: أيام تفصل عن تحرير الإيجارات القديمة

تحرير الأيجارات القديمة

 

أيام قليلة تفصلنا عن تحرير عشرات آلاف الإيجارات القديمة، وذلك بعد أكثر من ثمانية عقود من التمديدات الاستثنائية. نحو ستة وثمانين عامًا فشل فيها لبنان فشلًا ذريعًا في معالجة واحد من أكثر الملفات حساسيةً بعدالة. المؤجر، إنْ ما زال على قيد الحياة، وورثته، يرون ملكهم الخاص، الذي صانه الدستور، «يشيخ» ويتداعى، ولا يعود عليهم إلا بالفتات، مهما كان حجمه أو موقعه. وجزءٌ من المستأجرين الذين نعموا لسنوات بإيجار زهيد، ولا سيما مع بدء الليرة فقدان قيمتها باكرًا في ثمانينيات القرن الماضي، لا يملكون البديل، ويطالبون بحقهم البديهي بسقفٍ فوق رؤوسهم، تكفله شرعةُ حقوق الإنسان والمواثيقُ الدولية.

التمديد لعقود الإيجار السكنية الذي بدأ في العام 1940 لمدة عام واحد فقط، على خلفية الأوزار التي حمّلتها الحرب العالمية الثانية لمختلف الطبقات الاجتماعية، لم يلبث أن تحوّل إلى دائم مع توالي التشريعات الاستثنائية عامًا بعد آخر.

مسار قانون الإيجارات
على الرغم من انتهاء الظروف الاستثنائية التي كانت الحرب الأهلية آخرها مطلع التسعينيات، فإن المشرّع أقرّ في العام 1992 تمديدًا إضافيًا لمدة عامين في القانون رقم 160، الذي لم يلبث بدوره أن حجز مكانه على طاولة التمديد حتى العام 2001. وفي هذا العام أقرّت الحكومة مشروع قانون إيجارات جديدًا يرمي إلى تحرير عقود الإيجار السكنية العائدة إلى ما قبل العام 1992 بصورة تدريجية خلال فترة أقصاها تسع سنوات، بحيث تتحرر العقود كليًا في نهاية العام 2010. إلا أن مشروع القانون تقاذفته اللجان النيابية ولم يتحوّل إلى قانون.

في العام 2014 أبصر قانون الإيجارات النور أخيرًا، وأُعيد تعديله في العام 2017 بموجب القانون رقم 2 الصادر في 28 شباط 2017، ونصّ بصورة أساسية على تحرير الإيجارات السكنية خلال مهلة أقصاها تسع سنوات، تنتهي في 28 شباط 2026. وعليه، فإن جميع عقود الإيجار القديمة ستتحرر حكمًا مع نهاية هذا الشهر، باستثناء المستأجرين الذين سجّلوا في صندوق الدعم، إذ يمدّد القانون استمرار إيجاراتهم لمدة اثنتي عشرة سنة، تنتهي في العام 2029.

تطبيق القانون
ستة عشر يومًا فقط تفصلنا عن تحرير الإيجارات القديمة، من دون أن يكون أحدٌ من المالكين أو المستأجرين، أو حتى المشرّعين والحقوقيين، على دراية كافية بكيفية سير الأمور، وما إذا كان هذا القانون سيُنفّذ أم سيُعلّق تطبيقه مجددًا، تقول المستشارة القانونية للجنة الأهلية للمستأجرين، المحامية مايا جعارة. فالمادة 58 من قانون العام 2017 علّقت تطبيق أحكام هذا القانون إلى حين دخول صندوق دعم المستأجرين القدامى حيّز التنفيذ. ومع عدم إطلاق هذا الصندوق، وما يستوجبه ذلك من تشكيل لجان تتلقّى طلبات المستأجرين للاستفادة، والبتّ في تقارير الخبرة، يفترض تعليق تطبيق القانون، وفق جعارة. ويُضاف إلى ذلك الفوضى التي تحكم آلية تقديم الطلبات، وجهلُ كثير من المستأجرين، ولا سيما كبار السن، بضرورة التقدّم للاستفادة من دعم الصندوق، إذ لم يصدر حتى الآن أي إشعار رسمي يُعرّف المستأجرين إلى الصندوق وآلية التقدّم إليه.

المحامية مايا جعارة
المحامية مايا جعارة

صندوق دعم المستأجر
بحسب القانون، يُنشأ صندوق في وزارة المالية يهدف إلى مساعدة المستأجرين الذين لا يتجاوز دخلهم الشهري خمسة أضعاف الحد الأدنى للأجور، وذلك من خلال المساهمة في دفع فرق الإيجار الذي يرتفع تدريجيًا حتى السنة التاسعة، ليصبح موازيًا لبدل المثل. وتتكوّن واردات الصندوق من مساهمات الدولة ومن الهبات والتبرعات.

ويُلزم الصندوقُ المتقدّمين بتجديد بياناتهم سنويًا والتصريح عن أوضاعهم، إلا أن آلاف المستأجرين لم يعلموا بوجوده، بحسب جعارة، فيما آلافٌ آخرون لم يتقدّموا إليه.

في الوقت الذي بدأت فيه الدعاوى والإنذارات تتساقط كالمطر على رؤوس المستأجرين، “لا يقوم أيٌّ من المسؤولين سواء من المشرّعين أو وزارة العدل أو مجلس القضاء الأعلى بأي خطوة، تاركين المالكين والمستأجرين في مواجهة مباشرة بعضهم مع بعض، من دون أي تدخل”، تضيف جعارة. فمن أصل نحو 180 ألف مستأجر قديم، بحسب إحصاء يعود إلى عشر سنوات، من دون عاليه والشوف، هناك عدد كبير لا يملك مأوى بديلًا ولا قدرة له على الاستئجار وفق العقود الجديدة، برأي جعارة. هذا عدا عن كون تطبيق القانون كان يجب أن يترافق مع إعطاء المستأجر القديم الأولوية في الاستفادة من قروض الإسكان ومن نظام الإيجار التملّكي وإقرار سلّة متكاملة من القوانين، تضمن وجود سياسة إسكانية واضحة تؤمّن مساكن بديلة، غير أن شيئًا من ذلك لم يحصل طيلة السنوات الماضية، وأتى الانهيار الاقتصادي ليزيد الطين بلّة ويُخسر المستأجرين مدخراتهم أو أي فرصة لتأمين مسكن بديل.

المهلة انقضت وحان وقت الإخلاء

بحسب المنطق ومسار الأمور، فإن كل مستأجر لم يكن مسجّلًا في الصندوق يترتّب عليه إخلاء المأجور مع نهاية هذا الشهر، أو الاتفاق مع مالك العقار على عقد جديد بالقيمة العادلة. وعلى الرغم من مسارعة العديد من المستأجرين، منذ فترة، إلى التسجيل في الصندوق، فإن كثيرًا من الطلبات يُرفض لعدم مطابقته الشروط والمعايير، تقول رئيسة الهيئة اللبنانية للعقارات المحامية أنديرا الزهيري. إذ يوجب النظام على المستفيد التصريح سنويًا لدى الصندوق، وفي حال التخلّف يُلزم المستأجر بتسديد بدل المثل عن العام المعني، وفق النسبة المحددة. وهذا من شأنه أن يخلق إشكاليات كبيرة، ولا سيما للذين أهملوا تقديم الطلبات. وبرأي الزهيري، فإن المستأجرين دفعوا خلال السنوات التسع الماضية بدلات الإيجار وفق النظام القديم، والمهلة التي كان يفترض خلالها تسديد الزيادات للمالك قد انقضت، فيما استفاد المستأجر في المقابل من إشغال المأجور لمدة تسع أو اثنتي عشرة سنة. وكان من المفترض أن يتم الإخلاء في العام 2023، وفق قانون 2014، وخلال هذا العام للمستفيدين من الصندوق.

المحامية انديرا الزهيري
المحامية انديرا الزهيري

المفارقة أن العديد من المستفيدين من التمديد الاستثنائي لعقود الإيجارات القديمة لم يكونوا يومًا طرفًا في العقد، بل ورثوا الإيجار عن أهلهم وأجدادهم، ومن غير المنطقي استمرارهم في إشغال المأجور بـ”تراب المصاري” تحت أي حجة. في المقابل فإن عددًا من المستأجرين لا يملكون البديل، وإخلاؤهم سيخلق مشكلة اجتماعية وإنسانية. والحل، وإن تأخر كثيرًا، فما زال مطلوبًا لتحديد بدقة ولمرة واحدة ونهائية من هم قدامى المستأجرين الذين لا يملكون بديلًا، وصياغة حل بعيد عن فكرة الدعم التي اثبتت فشهلها وتعرضها للفساد أينما وجدت. وهذا الواجب الذي كان البدء بإجرائه في العام 2009 سيُظهر العدد الفعلي ويقوّض الكثير من الآراء الشعبوية والتحجج بالفقر لعدم إنصاف المالكين وإعادة حقهم بملكهم.

ما يثير الخشية أن تقرير مصير المالكين والمستأجرين ليس تقنيًا بقدر ما هو سياسي وشعبوي، ومن المستبعد تحقيق العدالة طالما كل فئة تشد اللحاف لجهتها وتاركين المواطنين في العراء.