الكهرباء عود على بدء (1/3) ازدواجية مجلس الإدارة… ابتعاد عن الحوكمة الرشيدة وتكريس الفشل

الكهرباء

تتغير العهود في لبنان، وتبقى إدارة مؤسسة كهرباء لبنان نفسها، حتى لو تبدلت الأسماء. إنها ليست أحجية، إنما واقع غير مفهوم يدفع إلى التجديد للنهج نفسه في هذه المؤسسة مرارًا وتكرارًا منذ عقدين ونصف العقد تقريبًا. وإذا تغاضينا عن مخالفة القوانين في الاستمرار بتعيين منقوص لأعضاء مجلس الإدارة بهدف المحافظة على الرئاسة نفسها، فلا يمكن غضّ النظر عن التجديد لهذا النهج. فعادةً ما تجدّد الهيئات العامة رئاسة مجالس الإدارات الناجحة التي أثبتت جدارتها وقدرتها على نقل المؤسسات من التخلف إلى التطور. أما في حالة الكهرباء، فإن العكس هو الصحيح. فمن عجز عن تحقيق أي إنجاز منذ عام 2002، وسار بالكهرباء من سيئ إلى أسوأ، ماذا يُنتظر منه أكثر؟

في جلسته المنعقدة بتاريخ 16 شباط 2026، عيّن مجلس الوزراء 6 أعضاء جدد في مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان، فيما ينصّ القانون على سبعة أعضاء ينتخبون من بينهم مديرًا عامًا. غير أن المرسوم كرّس كمال حايك، بحكم الواقع (de facto)، عضوًا سابعًا ورئيسًا لمجلس الإدارة ومديرًا عامًا، خلافًا لروح القانون.

الجمع بين رئاستي مجلس الإدارة والمدير العام يفتقد للحوكمة

الخطأ الأول المُكرَّس في الكهرباء هو الجمع بين موقعي رئاسة مجلس الإدارة والإدارة العامة، وهو أمر يتناقض مع أبسط قواعد الحوكمة الرشيدة. فرئيس مجلس الإدارة يمثّل السلطة الرقابية، فيما يتولى المدير العام الإدارة التنفيذية اليومية. والجمع بين هذين المنصبين يُكرّس تضاربًا في المصالح، إذ يصبح من يضع التوجهات العامة هو نفسه من ينفّذها ويراقب حسن تطبيقها، الأمر الذي يعجز معه مجلس الإدارة عن محاسبة المدير العام وتقييم أدائه وإقالته إن اقتضت الضرورة.

أكثر من ذلك، استمرّ مجلس الإدارة في الكهرباء في إدارة المؤسسة حتى عند شغور أكثر من نصف أعضائه. فالمجلس، برئاسة كمال حايك الذي عُيّن عام 2002، واصل عمله بعضوين إلى جانب المدير العام لسنوات طويلة بعد استقالة بقية الأعضاء. »استمر هذا الواقع حتى عام 2014، حين حصل ما لم نستطع تفسيره»، يقول منسّق سياسات الشراكة في المعهد اللبناني لدراسات السوق غسان بيضون، «إذ تمّ تعيين كمال حايك مديرًا عامًا على وظيفة شاغرة في ملاك مؤسسة كهرباء لبنان».وقد يكون هذا الغموض في التعريف الوظيفي ناجمًا عن خشية من عدم تجديد انتخابه رئيسًا لمجلس الإدارة، فجرى تثبيت موقعه كمديرٍ عام في ملاك المؤسسة.

تأمين الغالبية المريحة لاستمرار النهج

ما حصل في 16 شباط الماضي ينطلق من سابقة تعود إلى عام 2017، حين تم تعيين ستة أعضاء في مجلس الإدارة، من دون أن يتطرق المرسوم، يومها، بشكل أو بآخر إلى موقع الرئيس، فبقي كمال حايك، بحكم الأمر الواقع، رئيسًا لمجلس الإدارة، بوصفه من الأعضاء المعيّنين عام 2002. وعلى الرغم من الشغور الكبير في المجلس نتيجة الوفاة والاستقالة والاعتكاف لغالبية أعضائه، صمد مجلس الإدارة فترة طويلة وهو ناقص، فكان الرئيس يتخذ القرارات ويطبّقها ويراقب نفسه. و”من المخالفات الفاقعة التي سُجّلت آنذاك وجود مستشار قانوني إلى جانب رئيس مجلس الإدارة، خلافًا للنظام العام للمؤسسات العامة الذي لا يجيز تعيين مستشار قانوني بهذه الصيغة. كما استمر بعض المستخدمين في عملهم بعد بلوغ سن التقاعد، في ظل غياب أي معالجة واضحة لهذا الخلل الإداري”.

ما تم تكريسه سابقًا لجهة استمرار الاستعانة بمستخدمين تجاوزوا سنّ التقاعد أُعيد في مجلس الإدارة الجديد، إذ سُجّل تعيين أحد أعضاء المجلس من بين مستخدمي المؤسسة، وكان يشغل منصب رئيس دائرة، رغم أنه بلغ سنّ التقاعد منذ قرابة سبعة أشهر. وهذا يخالف النظام العام للمؤسسات العامة الذي يفرض ألا يتجاوز سنّ عضو مجلس الإدارة 64 عامًا. وقد يكون هذا التعيين، بحسب بيضون، بهدف تأمين مجلس إدارة داعم للرئيس، لا يعارضه ولا يخالفه في قراراته داخل المجلس.

تعيين مجلس الإدارة الجديد “جاء في وقت تعيش فيه المؤسسة خارج الحقيقة”، وفقًا لرأي غسان بيضون، حيث يعجز المراقبون عن  سبر أغوارها المالية والإدارية والتنظيمية. فلا توجد حسابات واضحة، ولا قطع حساب عن السنة الماضية، ولا معرفة دقيقة بالمداخيل والمصاريف، وتتخذ معظم قراراتها وتصدقها من دون موافقة وزارتي الطاقة والمالية بصفتها وزراءات وصاية. ولم تقد المؤسسة لغاية اليوم أي تقارير واضحة عن النتائج المالية لتطبيق التعرفة الجديدة، ما يجعل متابعة الهدر والمصاريف أمراً شبه مستحيل.

الطريقة التي تُدار بها مؤسسة كهرباء لبنان منذ سنوات طويلة هي سبب من الأسباب العديدة لـ فشل القطاع، وترتيب ديون عليه تُقدّر بعشرات مليارات الدولارات. وعبثًا تتم المناداة بإصلاح المؤسسة، التي تتحكم فيها المصالح الطائفية عبر أسلوب “6 و6 مكرر، والمنافع الشخصية، والصفقات، والحمايات السياسية، وتقاسم النفوذ والمصالح.

هذه العوامل تجعل من إصلاحها مهمة شبه مستحيلة، مهما كثُر المنظرون حول إبقائها بصفتها تقدم خدمة عامة بعيدة عن الربح، وتشمل الفئات الفقيرة. وبنظرة بسيطة، يتبين أن الكهرباء رتبّت على كل لبناني، سواء كان كبيرًا في السن أو “مقمطا في السرير”، دينًا يقارب 9 آلاف دولار، إذ يبلغ الدين العام للمؤسسة نحو 40 مليار دولار على أقل تقدير. وعذا عن سوء الخدمة التي تقدمها، فتعرفتها تعد من الأغلى عالميًا، حيث يتجاوز سعر الكيلوواط ساعة 27 سنتًا، في حين أن المتوسط العالمي لا يتجاوز 12 سنتًا. وهنا يطرح السؤال: هل المؤسسة تقدّم لنا الخدمة، أم أننا نقدم للمتحكمين بها سبلا لا تعد ولا تحصي للاستفادة منها على ظهر الشعب اللبناني؟

في المقالين التاليين، سنتناول الفوضى في آلية شراء المحروقات في مؤسسة الكهرباء، والتعرفة غير الاقتصادية وتأثيراتها السلبية على المواطن والاقتصاد، على أن نختم هذه السلسلة بتقديم الحلول لتأمين كهرباء 24/24 بطريقة واقعية تعاكس الوعود التي يطلقها المسؤولون.