مرفأ بيروت مهدد بـ”انفجار” جديد.. وهذه المرة من “باب” الرسوم

مرفأ بيروت

في وقتٍ يبلغ فيه التنافس على تطوير الموانئ البحرية ورفع قدرتها التنافسية ذروته، ولا سيما في شرق المتوسط، يواصل لبنان وضع “العصي” الجمركية والرسوم في “دولاب” مرفأ بيروت. فشركات الشحن البحري لا تكاد “تنام” على رسمٍ حتى “تصحو” على آخر، ما يرفع الكلفة التشغيلية بشكل كبير ويدفعها إلى تحويل وجهتها نحو المرافئ المنافسة لإيصال بضائعها. والأسوأ أن الفرصة أمام المنافسين تكبر يومًا بعد يوم، مع عودة مرفأي طرطوس واللاذقية إلى العمل والتشغيل عبر شركات دولية، فضلًا عن اشتداد المنافسة من المرافئ الكبرى التي ترسّخت مكانتها على حوض المتوسط وتلك التي وُلدت حديثًا فيه.

قبل أيام، تفاجأت شركات الشحن برفع الرسوم على المستوعبات بسعة 20 قدم من 70 ألف ليرة إلى 50 دولارًا للمستوعب الواحد، ومن 120 ألف ليرة إلى 80 دولارًا للمستوعب سعة 40 قدمًا. وعليه، بلغت نسبة الزيادة نحو 6,293 في المئة. ومن الطبيعي أن تعمد شركات الشحن إلى نقل هذه الكلفة إلى التجار، الذين سيقومون بدورهم بتقسيم هذه الزيادة على البضائع الموجودة في المستوعبات، ونقلها إلى المستهلك النهائي. ما يؤدي إلى رفع الأسعار سواء للسلع الواردة أو الصادرة، فيثقل ميزانيات الأفراد من جهة، ويقلص قدرة البضائع على المنافسة في الأسواق الخارجية من جهة أخرى.

كلفة المسح الضوئي

الزيادة الأخيرة، التي فرضت في إطار رفع رواتب موظفي القطاع العام ستة أضعاف من 13 إلى 19 ضعفًا، لم تكن الأولى، والأكيد أنها لن تكون الأخيرة. فقد سبق هذه الزيادة رسم 20 دولارًا للكشف على كل مستوعب فارغ يعاد إدخاله إلى المرفأ للتأكد من خلوه من أي بضائع أو مواد، وهي “خدمة” تتم عبر شركة خاصة حظيت بدعم مسؤولين كبار في المرفأ، وتقدر عائداتها الشهرية من هذا الإجراء وحده بين 100 و150 ألف دولار.

الأمور لم تقف عند هذا الحد، فقد فرضت لجنة إدارة المرفأ الجديدة، التي عُينت في تشرين الثاني من العام الماضي برئاسة مروان نافي، رسمًا من نوع آخر على كل مستوعب، تحت مسمى “التعرفة الخاصة بالمسح الضوئي (Scan) للمستوعبات”. وحدد رسم المسح بـ 46 دولارًا عن كل عملية، مهما كان قياس المستوعب، وسواء كان وارداً أو مصدراً. ويكون هذا المسح إلزاميًا لجميع المستوعبات الملآنة الواردة إلى المرفأ والمصدرة منه، ويُستوفى ضمن تذاكر الرسوم المرفئية في التعرفة “A” على كافة المستوعبات الملآنة الواردة بحراً إلى مرفأ بيروت، مهما كانت وجهتها النهائية: استهلاك محلي، ترانزيت، أو منطقة حرة، وكذلك على المستوعبات الملآنة المصدرة بحراً. وقد استُحدث الرمز “C33” لهذه العملية وأُدرج في الجدول رقم 2 في كتاب التعرفة المرفئية، على أن تُطبق هذه التعرفة عند بدء العمل الرسمي بالماسحات الضوئية.

مرفأ بيروت
رسم جديد فرضه فرفأ بيروت على كل مستوعب

الناولون البحري

إضافة إلى كل ذلك، ظهرت بدعة جديدة خلال العامين الأخيرين لزيادة دخل بعض الوكالات البحرية، تتمثل في مطالبة نحو 60 يورو (71 دولارًا) عن كل مستوعب من قبل الناولون البحريين  Ocean Freight) – وهو الأجر الناقل مقابل شحن ونقل البضائع بحراً من ميناء الشحن إلى ميناء التفريغ، ويتم الاتفاق عليه في عقد النقل)، بحجة “محاربة التلوث البيئي العالمي”.

200 دولار رسوم على كل مستوعب

نتيجة كل هذه الإجراءات، ارتفعت الرسوم الأولية على كل مستوعب إلى نحو 200 دولار، لتصبح بمئات آلاف الدولارات إذا احتُسبت على حمولات سفينة كاملة. وهذه الزيادة تؤدي إلى ثلاثة أشياء مجتمعة:

  1. ارتفاع الأسعار داخليًا وزيادة كلفة النقل الداخلي، وبالتالي تضخم أكبر على المستهلك النهائي.
  2. إضعاف قدرة البضائع المصدرة على المنافسة في الأسواق الخارجية، ولاسيما إذا ما أضيفت على ارتفاع تكاليف الإنتاج داخليًا.
  3. دفع الشركات إلى العمل من منافذ بديلة أو موانئ مجاورة أقل تكلفة. ما يعني خسارة مرفأ بيروت موقعه الإقليمي.

غياب الرؤية

المفارقة أن رفع الرسوم على المستوعبات يتم من دون دراسة اكتوارية أو رؤية استراتيجية واضحة، بل في ظل غياب أي تصور جيوسياسي مدروس. فهذه الرسوم التي تهدد بإبعاد شركات الشحن عن المرافئ اللبنانية، تأتي بالتوازي مع سعي محموم لإدماج مرفأي بيروت وطرابلس في الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا. وهي المبادرة التي أطلقتها الهند في قمة مجموعة العشرين في نيودلهي نهاية 2023، بهدف ربط آسيا بأوروبا عبر تكامل بحري وسككي سريع وآمن.

وعلى الرغم من أن لبنان ليس من الدول التي يمر بها الممر، فقد ناقش المبعوث الفرنسي الخاص لمبادرة الممر الاقتصادي، جيرار ميستراليه، في زيارته الاخيرة إلى لبنان، الجدوى الاقتصادية لدمج المرفأين ضمن المشروع. وقد رحب لبنان الرسمي بالمبادرة، واكد على لسان رئيس الحكومة نواف سلام أن التحولات السريعة في خريطة التجارة الإقليمية وتصاعد المنافسة من المرافئ المجاورة تجعل من انخراط لبنان في الممر فرصة استراتيجية وضرورة للنهوض الاقتصادي. هذا وكشف سلام أن الحكومة أطلقت دراسة شاملة لتكامل قطاعات النقل والطاقة والتجارة مع دول الجوار بدعم من البنك الدولي، وأن مكتب رئيس مجلس الوزراء سيتولى تنسيق هذه المبادرة متعددة القطاعات بالتعاون مع الحكومة الفرنسية والشركاء المانحين.

فكيف يمكن إطلاق المرافئ المحلية وجعلها منافسة في المنطقة، في ظل إثقالها بالرسوم والتكاليف؟ وهل يمكن الاستمرار في إدارتها عبر اللجان المؤقتة، التي تحوّلت مع الزمن إلى دائمة، أم أن التطور والحداثة يفرضان الدخول في مرحلة جديدة عنوانها الشراكة والخصخصة، للاستفادة القصوى من هذا المرفأ الحيوي؟ هذه أسئلة برهن المسؤولين، إن كانوا يرغبون حقًا في تجنّب “تفجير” مرفأ بيروت بالرسوم، والعمل على تطوير بنيته التحتية، ورفع مكانته إلى مصاف الدول المتقدمة.