أرخت الارتفاعات المتلاحقة في أسعار النفط بثقلها على اسواق الطاقة العالمية والعربية. فبالتزامن مع تصاعد التوترات الجيوسياسية على خلفية حرب إيران، ارتفع سعر النفط في غضون تسعة أيام بنسبة 65 في المئة للعقود الفورية، ليصل إلى 109 دولارات، بعدما كان أقل من 70 دولاراً قبل يوم واحد من اندلاع الحرب في 28 شباط الماضي. وسجلت العقود الآجلة ارتفاعاً بنسبة 100 في المئة منذ بداية العام، مع وصول سعر التسليم إلى حدود 120 دولاراً للبرميل. وينذر تراجع الإنتاج في الدول الخليجية، المترافق مع العجز عن تذليل التحديات التصديرية، بالمزيد من الارتفاعات في الأيام المقبلة.
تنعكس الارتفاعات في أسعار النفط على مختلف السلع والمنتجات بشكل مباشر. فكل زيادة بنسبة 10 في المئة في أسعار النفط قد تضيف نحو 40 نقطة أساس (0.4%) إلى التضخم العالمي إذا استمرت طوال معظم العام، بحسب تصريح لرئيسة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغيفا. وعليه، فإن الارتفاع المحقق في أسعار النفط حتى اليوم سيضيف 1.44 في المئة إلى التضخم العالمي، وقد يصل إلى 2 في المئة في حال صحت التوقعات ووصل سعر برميل النفط إلى 140 دولاراً.
تضخم مزدوج
تبقى التوقعات النظرية لغورغيفا أرحم بكثير على الاقتصادات مما يحدث فعلياً على أرض الواقع مع ارتفاع أسعار الطاقة. فكل ارتفاع بقيمة 10 دولارات في برميل النفط يرفع الأسعار بنسبة 1.5 في المئة، بحسب الخبير الاقتصادي د. باسم البواب. ما يعني أن الأسعار ارتفعت بنسبة لا تقل عن 9 في المئة منذ بداية الحرب حتى اليوم. وإذا ما أضفنا إلى هذه الارتفاعات نسب التضخم المتفاوتة التي كانت تعاني منها مختلف دول العالم قبل اندلاع الحرب، نكون قد عدنا إلى ما يعرف بالتضخم المزدوج «Double-digit inflation»، يضيف البواب، مع ما تحمله هذه الارتفاعات من خطر العودة إلى التضخم الانكماشي، الذي عادة ما نشهده بعد الأزمات الكبرى، كما حدث عقب الأزمة المالية العالمية في عام 2008.
انكماش اقتصادي
في المبدأ، يرتبط التضخم المعتدل بعلاقة طردية مع النمو، إذ إن ارتفاع الأسعار الناتج عن زيادة الطلب يدفع نحو زيادة الاستثمارات، ما يؤثر إيجاباً في النمو. إلا أن الحالة الراهنة مختلفة، إذ يترافق ارتفاع الأسعار مع تراجع الطلب، وهو ما يغذي التضخم الانكماشي الذي يمثل كابوساً للاقتصادات. فـ«المستهلك لا ينفق بمقدار ما يملك من أموال، بل على أساس ما يتوقعه للمستقبل»، يقول المستشار في الأسواق المالية علاء غانم. ومع ارتفاع منسوب التوقعات السلبية، التي يمكن الاستدلال عليها من مؤشرات الخوف وعدم اليقين ومؤشرات مديري المشتريات، يحجم المستهلكون عن الإنفاق ويتجهون نحو الادخار. وقد ترافق ذلك مع صدمة في عرض منتجات الطاقة أدت إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والنقل ومختلف السلع والخدمات.
ارتفاع أسعار المحروقات
مع كل ارتفاع في أسعار النفط سيحجم المستهلكون أكثر عن الإنفاق، ولا سيما أن 99 في المئة من دول العالم تعتمد سعراً محرراً للمشتقات النفطية، باستثناء دول قليلة مثل الكويت التي تثبت الأسعار عند مستويات منخفضة. وعليه، فإن نسبة الدول غير المتأثرة مباشرة بارتفاع أسعار النفط ستكون ضئيلة جداً، في حين أن التأثيرات غير المباشرة الناتجة عن ارتفاع أسعار الشحن وكلفة التصنيع قد ترفع نسبة الدول المتأثرة إلى ما يقارب 100 في المئة.
تراجع الإنتاج
المشكلة التي بدأت كأزمة ظرفية نتيجة تعطل سلاسل الإمداد عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره أكثر من 20 مليون برميل نفط يومياً، إضافة إلى خمس استهلاك العالم من الغاز، أخذت مساراً أكثر عمقاً مع إطالة فترة الإغلاق وغياب بوادر الحل، بالتزامن مع تصاعد الأعمال العسكرية. فقد أوقفت قطر الإنتاج بشكل كلي، وعمدت كل من الإمارات والكويت إلى تقليص إنتاج النفط مع امتلاء مرافق التخزين بسرعة. كما قامت السعودية بتحويل كميات قياسية من الخام إلى موانئها على البحر الأحمر لتصديرها عبر مسارات بديلة. وتشير تقديرات محللي «جيه بي مورغان» إلى أن تخفيضات الإنتاج في الشرق الأوسط قد تتجاوز 4 ملايين برميل يومياً إذا استمرت مرافق التخزين في الامتلاء وتعذر تحميل الشحنات، وهو ما قد يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى بكثير.
تداعيات ارتفاع أسعار النفط ستستمر حتى بعد انتهاء الحرب وعودة الأمور إلى طبيعتها. فمنشآت النفط والغاز في المنطقة تعرضت بالفعل لأضرار وتوقفات في الإنتاج نتيجة النزاع، بحسب غورغيفا، ويواجه الشرق الأوسط اختباراً جديداً للقدرة على الصمود في ظل الصدمات الجيوسياسية. كما أن المرحلة الضبابية التي يمر بها العالم دفعت غورغيفا إلى دعوة صناع السياسات إلى الاستعداد لسيناريوهات غير متوقعة والحفاظ على حيز مالي يسمح للحكومات بالتعامل مع الصدمات الاقتصادية.
اقتصاديات العالم، التي لم تشفَ كلياً من تداعيات كورونا، والتي تعاني بالفعل من آثار الحرب الروسية على أوكرانيا، والمثقلة بنسب الديون المرتفعة وتحت وطأة الرسوم الجمركية الأميركية، ستكون أعجز عن تحمل صدمة نفط وسلاسل إمداد طويلة. ولعل النتائج الأولى ستتمثل في العجز عن سداد الديون، مع ما تحمله من آثار على الدول المدينة والدائنة على حد سواء، وارتفاع معدلات الفقر، ما قد يؤدي إلى المزيد من الهزات الاجتماعية والسياسية.
